شاع أخيراً شريط على "اليوتيوب" يضم تقريراً عن المعرفة العامة للطلبة في جامعة أردنية. واتخذت المادة شكل أسئلة وجهت إلى الطلبة –وأشخاص يبدون أكبر سناً من عمر الطلبة المألوف. وفي الحقيقة، كانت أفضل فئة هي التي أجابت بـ"لا أعرف!" ومع وجاهة القول بأن "من قال لا أعرف، فقد أفتى،" فإن الارتياح إلى هذه الإجابة في الشؤون الدنيوية يكون أحياناً ضرباً من تخفيف الخيبة، على طريقة القناعة من الغنيمة بمجرد الإياب.
في التقرير سؤال عمن يكون (رئيس الوزراء الإيطالي السابق) بيرلسكوني. وجاء في إجابات طلابنا –والذين أكبر من عمر الطلاب- أنه: "ملاكم؟"؛ "ممثل.. رومانسي"؛ "لَيكونْ هذا تبَع أوروبا؟"؛ "نوع إطارات يستعمل للسيارات الفخمة.. الحديثة"؛ والمعظم لا يعرفون. وفي سؤال عن الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، جاء في الإجابات: "حزب الفيتو، وحزب الناتو"؛ "حزب الاتحاد السوفياتي، وحزب الليكود". وفي سؤال عن أين تقع دولة المجر، كان من الإجابات: "في قارة أفريقيا"؛ "في قارة آسيا"؛ "المجر؟ في المجارّ (؟)، من الكواكب، هذه كوكب..."؛ وعن الدول التي تحد قبرص براً، أجاب الطلبة: "اليمن"؛ "روسيا؟ لا، روسيا بعيدة"؛ "سورية، ولبنان". وعن الدول التي تحد الفاتيكان (التي تقع في قلب إيطاليا)، جاءت الإجابات: "اليونان، فرنسا، اسكتلندا، وبريطانيا"؛ "إيطاليا، وألمانيا، وسويسرا"؛ "أفغانستان، والباكستان، والفلبين". وفي سؤال عن متى انضمت إيران إلى جامعة الدول العربية، أجاب الطلاب بذكر سنوات مختلفة –سوى طالبة واحدة قالت أن إيران ليست دولة عربية. وفي النهاية، أجاب الجميع عمن هي صاحبة أغنية "آه ونص" بلا أدنى تردد: نانسي عجرم! ثم اختتم التقرير بعبارة تفسيرية: "يقرأ الطفل العربي ما يقارب ست دقائق سنوياً خارج منهاجه الدراسي".
حسناً، ربما يكون منتجو الشريط قد حذفوا الذين أجابوا بإجابات صحيحة، وربما يكونون قد احتفظوا بالإجابة الصحيحة عن إيران للإيهام بأنهم لم يحذفوا شيئاً. ليت الأمر يكون كذلك، بل ليت التقرير يكون كله مفبركاً، وعلى سبيل المزاح. لكننا نعرف من بعض الخبرة أن المحتوى لا يجانب الحقيقة. والحقيقة أن الإجابات عن الأسئلة المذكورة، من فئات عمرية مختلفة، تقول أشياء عن الشخصية المعرفية لمجتمعنا الآن.
عدم معرفة بيرلسكوني تعني أن شبابنا لا يتابعون الأخبار. بل انهم لا يهتمون بالمعرفة العرضية التي تأتي مع الرياضة مثلاً، لأن ذكر بيرلسكوني يأتي كثيراً مع نادي ميلان الإيطالي الذي يمتلكه. وبالنسبة للحزبين في أميركا، فإن موضوعهما يملأ الدنيا –لكنه لا يشغل الشباب هنا. وفي موضوع المجر، يبدو أن الطلاب خلال كل سني المدرسة لم يتعلموا تخيل خريطة العالم وموقعهم منه. وفي موضع إيران، لا أحد يذكر الإمبراطورية الفارسية وكسرى أنوشروان وقصة الفتوحات الإسلامية. لكن الجميع يعرفون نانسي عجرم –ولا عيب أساسياً في ذلك في الحقيقة. ويُلاحظ أن نبرة الإجابات عن كل الأسئلة المذكورة، ما عدا سؤال نانسي عجرم، اتخذت شكل السؤال غير الواثق، بإطلاق النهايات على المجهول.
بعد مشاهدة الفيديو، سألت شاباً جامعياً من أقاربي عن بيرلسكوني، لعله يجيب فيعزّيني، فلم يعرفه. وعندما سألته عن السبب، قال: "نحن لا نفهم في السياسة". لماذا لا يفهم شبابنا في "السياسة"؟ لماذا أصبح الجهل بالجغرافيا والتاريخ والأدب يُلصَق بالسياسة المحرمة؟ لماذا يعلمونهم أن معرفة التخصص المدرسي الدقيق هي كل ما يلزم، وليتهم يعرفون؟
من باب الإنصاف، أتصور أن الشباب في المجتمعات التي نحسدها على التقدم ربما سيجيبون بخطأ مشابه إذا سئلوا عن موقع الأردن مثلاً، أو ربما عن فلاديمير بوتين. لكنّنا كنا أكثر عناية بمعرفة الآخر لأننا مستهدفون وهم آمنون. وقد لاحظنا كيف اندفعوا هناك إلى المعرفة عن الإسلام والعرب عندما تصوروا أنهما مصدر تهديد بعد 11/9.
حسب هذا المنطق، ينبغي أن يكون شبابنا المهددون من كل صوب مستنفرين ومجهزين للدفاع بالمعرفة. لكنّ هذا لا يبدو مناسباً للسياسات السائدة التي تخشى الانكشاف عندما تنفتح العيون والعقول. وأنا أميل كثيراً إلى مقولة: "ليس هناك طالب سيئ، وإنما هناك معلم سيئ- حرفياً ومجازياً". لكن مساحة العالَم في وعي شبابنا المثقلين تصغر إلى حد ربما لا يتجاوز مساحة الذات، وربما أقل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة