ما أكثر الأصوات الصديقة التي تنصحكم، يا "سلطة" بالإفلات من مصيدة "المفاوضات". كان الوصف الأكثر تكراراً في لغة المخلصين للمنطق من المفكرين الغربيين هو أن "عملية السلام ولدت ميتة". وذلك مبرر بدهياً: إنها ليست مفاوضات تجري بين نظيرين، وإنما بين طرف متهالك وطرف يمتلك كل أدوات الضغط. والمفارقة العجيبة، والواضحة، هو أن هذه "العملية" جردت الشعب الفلسطيني بشكل منهجي، وبإشراف "السلطة"، من رافعته الوحيدة التي يمكن أن تحسن موقفه: المقاومة، وتركته بقادة "مفاوضات" لا تصلهم صلة بقادة حركات التحرر الوطني. إن قادة "السياسة" يعتمدون على قادة "العسكر" في تزويدهم بموقف للتفاوض يا "سلطة"، لكنها خدعتكم فكرة "رئيس دولة" يفاوض رئيس دولة، وتورطتم بانفصالكم عنا وعن الواقع معاً.
في الأيام الأخيرة، هدد قادة الكيان بعدم الإفراج عن أسرى فلسطينيين إذا توقفتم عن التفاوض. وفي المقابل، هددتم أنتم بالتوقف عن التفاوض إذا لم يستجب الكيان لمطالبكم التي لم يستجب لها ولن يفعل، بفضل وجودكم. ذلك يعني، ببساطة مذهلة، أن "المفاوضات" شيء يريده العدو لأنه يخدمه، وأن وقفها شيء "يهدد" به الفلسطينيون لأنه "يهدد" العدو. ماذا أكثر من ذلك، يا "سلطة"، دلالة على أن لا مصلحة لشعبكم باستمرار هذه المفاوضات؟ ألا تملون من الاعتقاد الخائب بأن هذه هي الوسيلة لتحرير فلسطين؟ ألا يكفي ما منحتم من فسحة للاحتلال لتوسيع رقعته وقضم ما تبقى من الأرض التي يعتبرها العالم محتلة، حتى أصبحت 11 % من فلسطين التاريخية؟ ألا تندمون على إخمادكم مقاومة شعبكم وتولي أمر قمعه وحماية نوم المحتلين؟ ألا تخجلون من كل ما يُعرف عن فساد سلطتكم الإداري والمالي والتفاوضي والاستبدادي؟ ألم تتولد لديكم القناعة المنطقية بأن مشروعكم لم يحقق لشعبكم سوى الكارثة منذ "أوسلو" وحتى الآن؟!
في مقابلة الرئيس الأميركي الأخيرة مع موقع "بلومبيرغ فيو"، بدا يائساً في محاولته إقناع قادة الكيان باغتنام فرصة وجود عباس في قيادة الفلسطينيين. قال إن المخاطر التي يواجهها أصدقاؤه في دولة الكيان تكمن "جزئياً في التركيبة السكانية؛ ... وجزئياً لأن عباس يكبر في السن، وأعتقد أن لا أحد سيجادل في أنه مهما قد تكون لديك خلافات معه، فقد أثبت أنه شخص ظل ملتزماً باللاعنف وبالجهود الدبلوماسية لحل هذه القضية. إننا لا نعرف ما قد يبدو عليه خليفة عباس". وأضاف في التأكيد على أن عباس هو أفضل شخص يمكن أن يجده: "أعتقد أن الرئيس عباس مخلص في استعداده للاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود، والاعتراف بالاحتياجات الأمنية المشروعة لإسرائيل، ونبذ العنف، من أجل حل هذه القضايا بطريقة دبلوماسية تخاطب مكامن قلق شعب إسرائيل. أعتقد أن هذه نوعية نادرة، ليس فقط داخل الأراضي الفلسطينية، وإنما في الشرق الأوسط عموماً. بالنسبة لنا، سيكون عدم اغتنام هذه الفرصة خطأ. وأعتقد أن جون يشير إلى هذه الحقيقة". وحقيقة "جون" (كيري) -كما ورد في المقابلة- هي ما قاله لجماعة اللوبي الصهيوني من أن عدم اغتنام ظروف الفلسطينيين الحالية (شكراً للسلطة) سيكون خطأ يورثهم الندم.
ذلك يعني شيئاً واحداً فقط: أن وجودكم هو الفرصة التي قد لا تتكرر للتنازل عن فلسطين، وبيع الفلسطينيين. ويعني خوف أوباما ممن قد يأتي بعدكم، أن مصلحة الفلسطينيين الوجودية هي أن يأتي (بعدكم) من يخاف منه أوباما وأصدقاؤه. لعل أسوأ شيء يمكن أن يلطم قائد شعب يخوض نضال تحرر، هو أن يمتدحه عدو شعبه، وعلى كل ما لا يستوجب المديح من شعبه نفسه!
يتساءل الناشط فلورنت بارات في حوار مع المؤرخ إيلان بابيه: "ماذا لو كان من يمثل الفلسطينيين يقرر أنهم يريدون دولة على 11 % من فلسطين التاريخية. كيف يُفترض بي أن أقف متضامناً مع ذلك؟". بالأحرى: كيف يمكن لأي فلسطيني، أو إنساني، أن يتضامن مع ذلك؟ كيف تفاوضون على 11 %؟ لمن تريدونها، ومن تمثلون بمطالبتكم بها؟ ربما تمثلون 11 % من الفلسطينيين وتخونون أحلام الآخرين؟! أين ألقيتم بملايين الفلسطينيين في المنافي، وفي غزة؟ كيف يحدث أنكم لا تستشيرون هؤلاء، وتزدرون تفويضهم، وتكتمون صوتهم، وتدعون تمثيلهم ولا تطالبون لهم بوطنهم؟ لماذا كسرتم أيدي المقاومة؟ ألا تجيبون يا "سلطة"؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة