في طرفة أميركية قديمة، يطرح أستاذ في الديناميكا الحرارية سؤالاً متحذلقاً على تلاميذه: "هل جهنم طاردة أم ماصة للحرارة؟ دعِّم إجابتك بالدليل". وفي سياق إجابة ذكية غير نمطية، يختار طالِب حل السؤال بأخذ سكان جهنم في الحسبان، ويبدأ بافتراض أن كل البشر سيدخلون جهنم، ويكتب في الشرح: "بالنسبة لدخول كافة الأرواح إلى جهنم، دعونا ننظر إلى الأديان المختلفة الموجودة في العالم اليوم. بعض هذه الأديان تقول إنك إذا لم تكن من أتباعها، فإنك سوف تذهب إلى جهنم. وبما أن هناك أكثر من واحد من هذه الأديان، وأن الناس لا ينتمون كلهم إلى دين واحد فقط، فإنه يمكننا استنتاج أن كل الناس وكل الأرواح سوف يذهبون إلى جهنم..".
فرضية الطالب منطقية؛ فكل صاحب معتقد يجزم غالباً بضلال الآخر وانتهائه حتماً إلى جهنم وبئس المصير. ومع وجود الكثيرين من الدوغمائيين الذين ينكرون نسبية الحقيقة، فإنه يمكن القبول على مضض بهذا القدر من التقدير الذاتي. قد يكون المرء حرّاً في الاعتقاد بأن الآخر الفلاني سوف يذهب إلى جهنم بسبب معتقده المختلف، نقطة. لكن الضرر كله يأتي من الذهاب أبعد من الانطباع إلى السلوك؛ من قناعة البعض بأن شغلهم ووظيفتهم وغاية حياتهم هي إيصال الآخرين المختلفين إلى جهنم بالبريد السريع، بإنهاء وجودهم نفسه بوصف ذلك جوهر ما يدين به. وعملياً، يعني ذلك أن يتكفل أتباع العقائد المختلفة بإعدام بعضهم بعضاً. وفي الحالة المثالية: سيقضي البشر على جنسهم ويحققون سيناريو نهاية العالم بلا حرب نووية.
لا يمكن تصوُّر أن يكون العالَم على هذه الشاكلة، لأن الكل سيصبح طريدة للكل وصياداً للكل، وسيكون شغل الكل هو إرسال الكل إلى جهنم. سوف تسقط فكرة "التعايش" السامية التي لا تخفى حكمتها الوجودية من القاموس والممارسة. ستكون الدنيا أسوأ من الغابة نفسها، لأن الحيوانات -التي يزعم البشر التعالي عنها- لا تقتل بعضها على مثل هذه الأسس. وحسب الغرائز الأساسية التي تفترض الأنثروبولوجيا لها بعداً كونياً، فإنه لا يمكن اعتبار أي شخص يقتل، أو حتى يزدري المختلف ويستهدفه لمجرد أنه مختلف في تفسيره للعالم، لا يمكن اعتباره صاحب عقيدة خيريّة تستحق الترويج أو تنسجم مع فطرة البشر.
في هذه الأيام، زادت عن كل منطق ممارسة الحكم بإعدام الآخر على أساس المعتقد. وفي هذا الخضم، أصبحنا نحن ضحايا بشكل مضاعف. أولاً، أصبحنا هدفاً جماعياً لكيانات أقوى منا مادياً وعسكرياً تحت شعار "صراع الحضارات" الذي يصنف ديننا على أنه متخلف ودموي. وثانياً، أصبحنا موضوعاً لعملية تدمير ذاتي، على أساس الذهاب إلى أقصى أطراف التطرف، والشروع بتكفير بعضناً بعضاً كأتباع معتقد واحد في الأصل، متخالف ببعض التفاصيل. ويكفي مشاهدة الجنون الطائفي والتفجيرات والهجمات الانتحارية لتقدير سوأة ما وصلت به التأويلات الهمجية لوظيفة الدين.
في هذا المناخ القاتم، تحضرني دائماً مقولة صغيرة بالغة الروعة، تتكون من كلمتين، لكنها تقول مجلدات –بعض المصادر تقول إنها حديث نبوي شريف وأخرى تقول إنها مثل شائع: "الدين المعاملة".لا يهمّنا نحن البشر الفانين كيف يدير كل منّا علاقته الروحية بخالقه، لأن عباداته وشعائره شأن يخص تلك العلاقة التي يقدرها الخالق ويعرف طواياها ويجزي عليها. لكنّ الذي يعنينا نحن الجاهلون بطوايا النفوس، هو الطريقة التي يتعامل بها كل منا في العالَم الدنيوي. لا معنى لأن يقضي أحد ما جل وقته في معبده أو كنيسته أو مسجده قائماً على عباداته، ثم يستغل استراحته لإلقاء نفاياته في فناء جاره. لا يهمنا إذا التقينا بغريب، فرأينا منه حسن الخلق والصدق والود والإنسانية، أن نعرف معتقده. ربما يمكن أن نصفه بأنه صاحب مبدأ ورجل صالح. وإذا كان مفهوم "الدين" يجب أن يعني صلاح النفس البشرية وأخلاقيتها بما نراه من معاملاتها، فإن كل صاحب معاملة طيبة يجعلنا نحبه، ينبغي أن يكون "متديناً" -على الأقل بمعنى الوفاء لفكرة الدين الأساسية. لا يمكن أن يكون تحقير الآخرين وازدراء أفكارهم، بل وتدبير قتلهم، صنوفاً من المعاملة المحمودة. لا يمكن اعتبار الذين يقطرون أذى والقبول بهم على أنهم أصحاب دين!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة