في ظروف كظروفنا، ربما يكون أفضل احتفال بالعامل الآن هو منحه مكافأة مالية ما؛ أجر نصف شهر مثلاً. لن يعرف كيف يصرف الاحتفاليات من نوع الخطب وشهادات التقدير وباقات الورد -ذلك ترف يليق بالعمال المكتفين في الأماكن النادرة التي قد يتمتع فيها العامل بشيء من كرامة العيش. أقول ذلك وفي ذهني تمييز قديم لا أستطيع الهرب منه بين العامل اليدوي في الورشة والمصنع، وبين العامل/ الموظف في المكتب المكيّف.
هنا، سيقنع العمال، من النوعين، بمجرد إجازة اليوم مدفوع الأجر في مطلع أيار، لأنهم يعرفون أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. لكن هذا نفسه -أعني يوم العطلة بأجر- محكوم بتقسيم "طبقي" بين العاملين. مثلاً، أتوقع أن أرى في الأول من أيار نفس العمال المعفرين بالتراب وهم يخلطون الإسمنت بالماء والرمل، ويحملونه على الأكتاف في أوعية زيت السيارات إلى الطوابق العليا، بنفس الجهد ونفس أجر اليوم، مثل كل يوم.
هنا، تبقى مكافأة العامل التي لا تقدر بثمن والتي تسمو على أي تكريم خطابي، هي مجرد كونه على رأس عمل وليس تحت قدم البطالة، نقطة. إنه ناجٍ، على الأقل، من الأذية المضاعفة التي يعنيها كون المرء معطَّلاً عن العمل في يوم العمال. إنهم لا يكرمونك، وربما يقرصون قلبك، لأنك موضوعياً خارج فئة العمال، وكأنك مذنب بجريرة التهرب من شرف العمل، أو مستنكف عن المشاركة المقدسة في مسيرة البناء والإعمار! وطنك في حاجة إليك!
ربما لذلك، سيكون من الأكرم للدول التي لا تستطيع أن تتدبر أمر توفير العمل لعدد كبير من مواطنيها أن تستنكف عن الاحتفال بيوم العمال، علها تجنبهم الحرج. وقد يكون من المناسب تخصيص المناسبة لكي يداوم المسؤولون دواماً إضافياً، بلا أجور إضافية، للبحث عن وسائل لتزويد مواطنيهم المحرومين من العمل بكرامة العمل؛ لتزويد العاملين بسبب للإحساس المفقود بأمان الوظيفة؛ لتزويد هذا وذاك بالإحساس المفقود أيضاً بقيمة العمل كوسيلة لجعل الحياة جميلة وقمينة بأن تُعاش.
لم يعد بالوسع التحدث الآن عن فردوس العمال والفلاحين الاشتراكي الأممي -كان ذلك ترفاً تكلفه المنظرون البرجوازيون في الغالب وتقمصه هواة الاشتراكية. للأسف، قتلت الأحداث تلك الأحلام ووضعتها في زاوية الطوباوية وجمدتها في متحف الأفكار التراثية. أصبحنا نتحدث اليوم عن البقاء، مجرد البقاء اليومي بمواصفات إنسانية. أصبح العالم يستفيق على فكرة 99 % الذين يعيشون لأجل رفاه الـ1 %. العمال، معظم العمال اليدويين والمكتبيين في كل مكان مسروقون. بعضهم يعيش ظروف عبودية حقيقية بمواصفات سيادية. بعضهم يأكل "بثدييه"، أو يجوع. بعضهم يعرف أنه مخدوع ويتقمص مظهر الرضا. بعضهم يخرج إلى العمل ويؤوب فقط لكي لا يعيروه بأنه متبطل. بعضهم يعرف أنه يسرق فرصة ولقمة غيره ويقنع نفسه بأن هذا هو قانون الانتخاب الطبيعي. بعضهم ينحت الصخر ويركض صبح مساء في الدنيا بحثاً عن المعنى، ولا يجد المعنى. بعضهم يغمض عينيه عن التفاوت الهائل في القسمة باعتناق البساطة وقدرية القسمة وغنى القناعة وانتظار الأجر في عالَم آخر، وبعضهم مصاب بآفة القدرة على تعقب ثمن تعبه إلى قصر أو شقة عالية في مكان بعيد.
أتصور أنه يمكن قياس قيمة العمل، بشكل خام، بقياس منسوب السعادة القومي، باعتبار السعادة غاية كل شيء. وقد قرأت، بالمناسبة، عن دولة حقيقية في العالم نسيت اسمها، تستخدم هذا المقياس لاحتساب حصة الفرد من الناتج القومي. لا أعرف إذا كان لدينا شيء من هذا المنسوب أصلاً، ناهيك عن قابليته للقياس. إننا نبدو أناساً يعملون، بشكل أو بآخر، بأكثر أو أقل. لكن حاصل جمع العمل والعمال الأبرز الذي تمكن ملاحظته هو "التفشيش" والاحتجاج والنكد، والبحث عن عمل في هذه الدنيا في نهاية المطاف. حتى أنه، بشكل ما خرافي، أصبحت صناعة الموت للآخرين عملاً مبرراً يزاوله الكثيرون ويمسحون جباههم بظواهر الأيدي!
مع ذلك كله، أقترح على الناجين من البطالة القاموسية بالعمل الظاهري، أن يستنجدوا بالحلم الأوروبي: "سوف نشيخ ونتقاعد -إذا نجونا. سوف نتفرغ لإنفاق المكافآت وتعويضات التقاعد برحلة الحب المؤجلة حول العالم مع الشريك العجوز".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة