تداول الإعلام أخيراً أنباء –كانت لتكون غرائبية في سياق آخر- عن حمار يملكه فلسطيني في قرية قريوت المحتلة. والقصة أن حمار الفلاح الفلسطيني أصبح مصدر هوَس للمُستعمِرين الوحشيين المقيمين على أرض القرية المصادرة. ولذلك، اقتحموا منزل الفلسطيني بقنابل الغاز مدعومين بالجنود، وأطلقوا النار على الحبل الذي يوثق الحمار، وأرهبوا صاحبه ليغير مكان مربطه في حديقة منزله. ولا سبب معروفاً لوضع المستوطنين "نقرهم من نقر" حمار الفلسطيني المُسالم: هل تسلل إلى مستعمرتهم فسرق عشب آبائهم وأجدادهم، أم أنه نهق بهتافات معادية أو نظّم مقاومة حميرية ضد الاحتلال؟! لكنهم وضعوا أرجلهم في الحائط، وأصروا على أن لا يقيم الحمار لحظة واحدة في المنطقة "ج" التي فوضت "أوسلو" أمرها لمشيئة المحتل. وعندما سألهم الفلسطيني: أين أربط حماري، قالوا له إن مربط الحمار سيحدده قرار "الارتباط العسكري" (ثمة صلة اشتقاقية بين المربط والارتباط) بحيث يكون في جزء من حديقة المواطن يقع في المنقطة "ب" الخاضعة لسيادة السلطة الفلسطينية.
القصة ليست غريبة كثيراً في التحصيل الأخير ما دامت تتصل بعقلية الاحتلال الفريد الذي ابتُلي به الفلسطينيون. وتبين الخبرة مع هذه العقلية أن المرء لا ينبغي أن يستغرب منها أيّ شيء، ويجب أن يتوقع منها كل شيء. على سبيل المثال، تساءلتُ عندما قرأت عن قصة مربط الحمار: لماذا لم يضع أحد المستوطنين رصاصة في رأس الحمار "المشكلجي" عن بُعد من قلعته على التل وينتهي الأمر؟ لماذا أطلقوا النار على الحبل الذي يوثق الحمار وتركوه يعيش؟ إنهم كثيراً جداً ما يفعلونها مع الفلسطينيين الأشخاص، فيحلّون المسألة برصاصة وينتهي الأمر، وبلا عواقب. (على سبيل المثال، حُكم على مستوطن أطلق النار على الطفلة الفلسطينية انتصار العطار وقتلها في فناء مدرستها، بالسجن سبعة أشهر مع وقف التنفيذ). هل يريدون قول إن حياة الحمار أعزّ من حياة الفلسطيني؟ إنهم يلتزمون بأخلاقيات الرفق بالحيوان وحفظ حياته، لكنهم يعتبرون الفلسطيني نفسه أقل استحقاقاً بالرفق والحياة من الحيوان؟
أحد أهم مكونات عقلية الكيان الصهيوني في فلسطين منذ نشأته هو اعتبار الفلسطيني غير موجود، أو إلغاء إحساسه بوجوده الإنساني عن طريق إذلاله وتجريده من الإنسانية dehumanization. ويذكر نعوم تشومسكي مثالاً على "ابتكارات" العقل العنصري الصهيوني لإذلال الفلسطينيين، في ممارسة "رش المتظاهرين والمنازل الفلسطينية بمياه الصرف الصحي غير المكررة بواسطة خراطيم قوية عقاباً لهم على احتجاجاتهم الأسبوعية السلمية ضد جدار الفصل العنصري". ويقول تشومسكي إن في ذلك "المزيد من الأدلة على أن لدى هذه العقول "العظيمة" أفكاراً... تجمع بين القمع الإجرامي والإذلال".
من المفهوم أن الحمار في قرية قريوت لا يهتم كثيراً بمكان ربطه، في المنطقة (ب) أو (ج). لكن المقصود بالقهر هو صاحب الحمار الذي يريدون تذكيره بأنه ليس حراً بربط حماره حيث يريد؛ وبأن حريته نفسها مصادرة تماماً مثل أرضه وهويته الوطنية. وفي هذا، لا يختلف صاحب الحمار البسيط في قريوت عن أكثر الفلسطينيين تعقيداً و"مكانة"، في المنطقة (ج) أو (ب) أو أي مكان في الوطن المحتل. لا يمتلك أي فلسطيني عادي أو مسؤول في الضفة أو غزة في النهاية تقرير أين يربط "حماره"، أو حتى أين يقيم هو نفسه. إنه يُمكن أن يكون -لدى مشيئة الأسياد- سجيناً في زنازين الاحتلال، أو منفياً في مكان من الأرض، أو حتى قتيلاً في عالَم الموتى.
في المقابل، لا يمتلك الفلسطينيون في الضفة أن يحددوا للمستوطنين والمحتلين أين يربطون حميرهم وأنفسهم. والسبب البدهي في كل هذا هو أن القرار، أو "حرية الإرادة"، هي أمور تحتاج إلى السبل المادية للدفاع عنها وتفعيلها. وفي الحالة الفلسطينية، ثمة السعي المنهجي المعروف إلى تجريدهم من سبل صيانة حرية القرار، لكن بعض الفلسطينيين تطوعوا في السياق بتسليم أهم وسائلهم للدفاع عما تبقى من إمكانية التقرير. وكما تفيد قصة الحمار في قريوت، فإن المستوطنين فرضوا على صاحب الحمار أين يربط حماره بالرصاص وقنابل الغاز والتخويف، واستغلوا كونه أعزل بلا حول ولا قوة. ربما تكون هذه النقطة، هذا التسليم الفلسطيني الكامل الغريب لوسائل حماية القرار، هي مربط الحمار في المحنة الفلسطينية الحالية!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة