شاهدت تقريراً عن معرض فني، رسمت فيه طفلة في إحدى اللوحات خريطة فلسطين. وفي الحقيقة، يبدو وصف "خريطة" غير دقيق في حالة فلسطين. ربما يصلح أكثر منه وصف "رسمة" فلسطين. فبخلاف الخرائط التي كنا نرسمها أيام المدرسة، ذات الخطوط صعبة الحفظ التي تنطوي على مساحات فارغة، توحي "رسمة" فلسطين بحسّ خاص من الوحدة العضوية بين الإطار وداخله، وكأنه يطوي أضلاعه على محتواه ويحدب عليه ويندغم فيه. ربما يمازج هذا الشعور فقط من تربطه رابطة بفلسطين، انتماءً أو حباً، لكنه أصبح مصاحباً عادياً لرؤية هذا التكوين الذي يفيض بالمعنى.
ورسم فلسطين سهل أيضاً، لا يصعب أن تعتاده ذاكرة ويندر أن تتعثر في توقيعه يد. له شكل يذكر بنصل سيف عريض متمدد على ساحل البحر. وهذا جعل الشكل صالحاً لأن يُسكّ في تعليقة مفاتيح معدنية، أو يصاغ من الذهب أو الفضة ويتدلى من القلائد على صدور البنات. كما أن تكوين الرسمة ملائم لاستضافة ألوان العلم الوطني: المثلث الأحمر في الأعلى، والمساحة السوداء على اليمين والخضراء على اليسار والبيضاء في الوسط. أما نسخها الكبيرة المفصلة التي يؤطرها الفلسطينيون ويعلقونها على جدرانهم، فتثير العجب بكثرة أسماء القرى والخِرب والمدن والأماكن. وأتذكر نشوتي الأولى حين عثرت على اسم قريتي الصغيرة التي كنت أظنها مجهولة منسبة، مكتوباً بجوار مدينة الرملة. وما أزال أعتقد أنه يندر وجود مساحة صغيرة كفلسطين تضم كل هذه الأسماء، وكأنهم وضعوا لكل كيلومتر مربع اسماً. ولذلك، من غير المستغرب أن يسمع الفلسطينيون، في أي مرحلة من العمر، أحد مواطنيهم يعلن اسم قريته، فيكتشفون أنهم يسمعون بها لأول مرة.
لكن هذه الرسمة التي يجسمها الفلسطينيون ويحتفظون بها بمختلف الأشكال ليعبروا بها عن هويتهم، تتبدل. ولو بحث أحد في محركات البحث عن خريطة فلسطين، فإنه سيجد دائماً صورة متكررة، تضم أربعة إطارات تفصّل قصة تلاشي فلسطين. على اليسار، سيجد رسمة فلسطين التي نعرفها كلها ملونة بالأخضر مثلاً، تتخللها نقاط صغيرة بيضاء توصف بأنها "مناطق يهودية". تليها إلى اليمين رسمة بنفس الإطار، وإنما أصبحت فيها المساحة الخضراء متوزعة على ثلاث مناطق بلا شكل، والباقي مسحة بيضاء تسمى "إسرائيل". ثم تليها رسمة أصبحت فيها فلسطين قسمين: أحدهما يشبه صيوان الأذن في وسط الشرق، وآخر يمثل شريحة لا تكاد تُرى في وسط الغرب. أما الرسمة الأخيرة على اليمين، فليست رسماً على الإطلاق. إنها مجموعة نقاط فوضوية الشكل لا يصل بينها شيء، تتوزع عشوائياً محلّّ ما كان يشبه مرة صيوان الأذن ولم يعد يشبه شيئاً. هذه النقاط أصبحت تسمى "فلسطين"، وبقية محتوى الإطار المعروف أصبح مساحة بيضاء اسمها "إسرائيل".
مشكلة! لو أن هذه النقاط أصبحت فعلاً دولة، كيف سيرسم التلاميذ هذه الـ"فلسطين" في الاختبارات؟ لعله سيكفي أن يمسك الولد بقلم التلوين ويطبع به نقاطاً على الورقة كيفما اتفق، وستكون الرسمة الغريبة الفوضوية صحيحة -لن يدقق أستاذ الجغرافيا في التفاصيل، لأن من شبه المستحيل حفظ عدد النقاط وأشكالها. (لمن يريد أن يرى ما أعني، فليراجع الخريطة الموصوفة على الإنترنت). وأيضاً، لن تصلح هذه الـ"فلسطين" لصناعة تعليقة لقلادة، ولا للرسم في لوحة تليق بالعرض أو بأن توضع في برواز على جدار، ولن تتسع حتماً لألوان العلم الوطني. سوف يتعذب أي صائغ ليصل الأجزاء المقطّعة بأسلاك، وسيضطر إلى وصل غزة بـ"الضفة" بخيط طويل من الوهم، وسينفرط كل شيء ويتناثر لدى الحركة الأولى.
أتصور أن الذين فاوضوا على هذه النقاط، لم يدققوا جيداً في الرسم. لا يمكن أن ينظر أحد في هذه "الخريطة" الجديدة لفلسطين، ولا يرمي القلم من يده ويقوم ويخرج، مفوضاً الأمر كله لله والتاريخ! وحتى لو طلع الحمار على المئذنة وأعطوهم هذه البانتوستانات، فإن أطفال فلسطين -حتى لو اجترحوا المستحيل وحفظوا شكل وعدد النقاط- لا بد أن يضعوها في داخل الإطار نفسه، الذي يشبه نصل السيف العريض، حتى تكتسب المعنى. والآخرون، سيستبدلون الخربشة القبيحة التي لا تصلح لشيء بالرمز الباقي: "حنظلة" ناجي، الذي يدير ظهره للجميع، ولكل شيء!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة