يصاب المرء بعارض صحي –ولا أحد بمنجاة- فيفزع إلى أهل الطب والحكمة ليخففوا عنه ألمه ويهدئوا روعه. ولا وصف لحجم الامتنان الذي يشعر به المتعافي للأيادي البيضاء التي أسعفته وحنت حليه. وبسبب هذه الأهمية الوجودية التي يشكلها الطب في حياتنا، فإنّ القصور فيه لا مزاح فيه، ولسبب وجيه: إنه شأن يفصل بين الحياة الموت نفسيهما، لا أقل.
كنتُ أعود قريباً أجرى عملية ثانوية في مستشفى خاص. وبينما يحدثني عن تجربته في الليلة واليوم اللذين قضاهما هنا، تمنى عليّ أن أكتب عن بعض ما أزعجه هناك. وفي الحقيقة، ليس أسوأ من أن يُضاف إلى ألم المريض الجسدي أنواع أخرى من أسباب المعاناة، في المعاملة أو العناية، أو شعوره بالتعرض للاستغلال. وقد بدأ صديقى بشكر الله كثيراً على أن لديه تأميناً صحياً من المؤسسة التي يعمل فيها، لكنهم لم يضعوه في الدرجة التي يفترض أن يكفلها له تصنيف التأمين على بطاقته. وعندما احتج، أطلعوه في المشفى على ورقة تلقوها (لا يعرف إذا كانت من مؤسسته أم من شركة التأمين)، والتي توصي بوضعه في الدرجة الثالثة، مع أن التصنيف على بطاقته هو من الدرجة الأولى. قال أنه لم يبالغ في الاعتراض لأن مؤسسته تغطي كل رسم التأمين ولا تقتطع شيئاً من راتبه، فخجل.
قال إن هذا ليس الأهم، وإنما مستوى النظافة والراحة في المشفى الخاص الكبير. وضعوه في غرفة تضم خمسة أسرة، يشغل أربعة منها مرضى من دولة عربية شقيقة. ولأنهم غرباء، فقد صحبوا معهم عائلاتهم ومرافقيهم الذين يظلون عندهم كل الوقت. وحسب الوصف، كان الحشد في الغرفة قد جلبوا معهم أنواعاً من الطعام والشراب، وملأوا الغرفة بالمخلفات والأغراض. وبالإضافة إلى ذلك، كان من الطبيعي أنهم يستخدمون جميعاً، مع المرضى، نفس دورة المياه الوحيدة في الغرفة، والتي كانت في حالة مريعة كل الوقت. لذلك، تجنب قريبي استخدام المرفق "الصحي" فترة إقامته. وكل هذا في الوقت الذي يتحدث فيه كادر المشفى عن وجود حالة "كورونا" هناك في ذلك الوقت.
تَذكرنا أنا وهو قريباً لنا كان قد أجرى جراحة في نفس المشفى قبل بعض الوقت، وأصيب هناك بعدوى جرثومية لم ينقذه منها سوى لطف الله. وقد عاد محموماً إلى غرفة العناية المركزة وأقام أياماً بعد مغادرته بساعات، وأسرّ لنا صديق من المعارف هناك أن نوعية عدواه تنجم عن الإهمال وبؤس إجراءات التعقيم. وتذكرنا أنا وهو أيضاً كيف سمعنا بينما نزور قريبنا قصة الشاب الذي أخطأ طبيبه "النطاسي البارع" في عملية تنظير معدة بسيطة، فضرب له البنكرياس. قالوا إن الشاب مقيم في العناية المركزة تحت لطف الله منذ خمسة وعشرين يوماً، أجروا له فيها كثيراً من العمليات علهم يتداركون فينقذوه، وبلا طائل. وقد خرج قريبنا من المشفى ولا نعرف أين ذهبت الأقدار بذلك الشاب.
تحدث قريبي عما شعر به –ويشعر به الكثيرون هنا- من أن طبيبه ربما يكون قد أجرى له العملية بلا داع. وقد خالطه الشعور لأن الفنيين الذين أجروا له الفحوصات الأولية و"الأشعات" والطبيب الذي عاينه أولاً قالوا له إن عارضه ليس خطيراً ويمكن أن يزول بالأدوية وشرب الماء. لكنه أراد أن يستوثق فراجع الاختصاصي الذي أرعبه بوصف التداعيات وأقنعه بضرورة إجراء العملية فوراً. وقد يكون طبيبه على حق، لكنه ليس من النادر أن نجد هنا البعض ممن توصلوا إلى معادلاتهم الخاصة بين مواثيق مهنة الطب وبين إغراءات التجارة، فأخذوا يُجرون العمليات للناس حيث لا تلزم، مخاطرين بأرواحهم وسالبين أموالهم. والأصل أن تكون الجراحات هي الملجأ الأخير بعد أن تُستنفد وسائل العلاج بالعقاقير.
لا غرابة إذن في أن الكثيرين منّا لا يحبّون مراجعة الأطباء إلا عندما يتعذر التهرب. ومع احترامي الخاص للمهنة ورفضي التعميم، فإنه لا حكمة أيضاً في التعامي عن الأخطاء الطبية القاتلة التي كثرت لأنها تذهب بلا عقاب، ومظاهر الإهمال والمتاجرة بالمهنة وخداع المرضى. كما أن ما وصفت أعلاه يحدث في بعض المشافي الخاصة. فماذا عن العامة؟ وماذا يفعل الذي بلا تأمين؟ وهل يأمن حتى صاحب التأمين؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة