بث موقع صحيفة الغد الإلكتروني مؤخرا فيلما قصيرا، هو الحلقة الأولى من "برنامج 20". الفيلم من صناعة الزملاء المبدعين في "الغد": غادة الشيخ في الإعداد والتقديم؛ محمد المغايضة في التصوير؛ ومعتز الفقهاء في الإخراج. وحملت الحلقة عنوان "السفر"، وطرحت سؤالاً على عينة عشوائية من عشرين أردنياً: ""إذا أتتك فرصة للسفر إلى الخارج (للعمل أو للدراسة... إلخ)، هل ستسافر؟" وقد أجاب 18 من أصل العشرين، وبلا تردد: "نعم، أسافر". وباحتساب النسبة، يكون 90 % من الأردنيين راغبين في الرحيل ومتشوفين للفرصة.
نتيجة هذا "الاستفتاء" البسيط ليست مفاجئة، بمعرفة مزاج الشارع الأردني وضيقه. ربما لو كانت آلية الاستفتاء أكثر تعقيداً بحيث تعطي للمستجيب وقتاً أطول للتفكير، لقلت نسبة "المسافرين". لكن نتيجة التقرير تظل، مع ذلك، مؤشراً على شيء غير صحي. إن الراغبين في الرحيل عن البلد لا ينطلقون من الرغبة الغريزية في التجوال والاسكتشاف، أو حتى الدراسة والعودة، وإنما يعبرون عن ضيق شديد بالمكان ونوعية الحياة، ويأس من إمكانية التحسن في المدى المنظور. وقد ذكر المستجيبون في التفسير مبررات حقيقية: "عمان غالية، والناس مش كتير تمام"؛ "البحث عن المستقبل، لا عمل هنا، وأغلب الشباب قاعدون"؛ "أي مستقبل بقي في هذا البلد؟ طبعاً سأسافر"؛ "لأن الحياة صعبة هنا، بعد قليل سنضطر إلى أن نسرق"؛ "لأن الأوضاع سيئة، والحكومة سيئة". وقد لفتني بشكل خاص رجل مسنّ يرغب هو الآخر في السفر: "نحاول نشوف (بلد) أرخص، نقدر نصرف على أنفسنا وعيالنا". كما قال مواطن آخر إنه مستعد للرحيل إلى أي بلد "حتى السودان!"
يكشف هذا "النفور" العام من العيش في الوطن عن حالة من الشرود الجمعي. إن الناس جالسون هنا، لكن عقولهم غائبة وسارحة في أماكن أخرى متخيلة، يتصورونها أفضل بالضرورة مما هم فيه. والإنسان الشارد لن يكون مركّزاً وهو يعمل، ولا مفتوحاً على التفاعل الاجتماعي الإيجابي. وسيتلبسه وهم بأنه يعيش مرحلة انتقالية في انتظار فرصة رحيل مراوغة، لا بديل عنده سوى انتظارها. وهذه "الفرصة" كثيراً ما تكون خدعة في حد ذاتها إذا جاءت، حين يكتشف "المسافرون" أن ظروف العيش والعمل ووطأة الغربة في البلدان الغريبة ليست وردية كما بدت من بعيد، وأنها طباق لقصة الهارب من الرمضاء إلى النار. ومع ذلك، يفكر 90 % من الأردنيين –حسب التقرير- بأن الحياة في البلد لم تعد تحتمل، ولا تعد بشيء، حتى أن أي مكان آخر لن يكون أسوأ منها.
أتصور أن شعور الأردنيين، بعد عقود من المراوحة في المكان، إن لم يكن التراجع في أحوالهم، هو الإحساس بالخذلان والعزلة، وأنهم مكشوفون بلا دعم ولا ظهير. والأصل في مصدر الدعم والحماية أن يكون "البلد" بالمعنى العام، أو "الحكومة" بتعبير أدق. إنهم لا يلمسون عملاً جدياً من المسؤولين بقصد العناية بمكامن قلقهم وتيسير أمورهم. وإذا ضغطت المطالب الحياتية على الفرد، فسيدرك أنه معنيّ بتدبر أموره وحده، بلا نصير ولا معين. وحتى الدعم الاجتماعي القديم الذي كنا نألفه هنا في الأردن، بمعنى أن يقترض المحتاج من أقاربه أو أصدقائه، أو أن يعينوه إذا وقع، لم يعد موجوداً لأن الروابط والثقة تحللت. ويندر تقريباً حتى أن يجد الفرد من أقرب الأقربين من يقبل أن يكفله لقرض صغير.
الأوطان، في التحصيل الأخير، ليست مجرد الأماكن التي يولد فيها الأفراد ويترعرعون. إنها الأماكن التي توفر لهم كرامة العيش الأساسية وتؤمنهم من الخوف وتحمل عنهم الضغوط. وأعتقد أن الأردنيين البسطاء الذين ينتظرون فرصة السفر هم أكثر الناس عشقاً للبلد، لكن عتبهم فاض على الظروف التي جعلت "البلد" يبدو قاسياً عليهم وغير معني باحتضانهم والحنو عليهم ومشاورتهم. وهذا ما وصفته في مقالات سابقة بأنه انفراط العقد وانقطاع الصلة الودية بين السلطات والمواطنين. إن الأخيرين يحسون بأن الحكومات تعمل لصالحها الخاص، في معزل عنهم وتتركهم لمواجهة المجهول وحدهم.
لو تحققت غايات الأردنيين ورحل
90 % منهم: فأي شعب سيحكم الحاكمون؟ أي علاقة بين البلد/ الحكومة والناس، إذا كان 90 % من مواطنيها حاملين حقائبهم (ذهنياً) وعلى أهبة السفر وترك المكان خاوياً على عروشه؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة