يمارس الفلسطيني، وليس من باب الاختيار، حرفة أساسية يمتهنها بالولادة: الانتظار. ومن أجل بقائه الحيوي، يمارس معها حرفة دنيوية إضافية، ليكون صاحب حرفتين متناقضتين: واحدة حيادية سكونية، وأخرى ينبغي أن تكون محمومة الحركة. لا مهنة أصعب من الانتظار، بما تعنيه الفكرة من الوقوف في المكان والاتكال على إرادة شيء آخر يتحرك. وقد شاهدت جيلاً من الفلسطينيين المنفيين الذين تقاعدوا من العمل الدنيوي الإضافي، لكنهم لم يستطيعوا الفكاك من عمل الانتظار الشاق الذي ليس فيه تقاعد ولا له تعويض، حتى وافاهم الأجل منتظرين، وما بدلوا!
السنوات التي تمضي على الفلسطيني في الانتظار، ويؤشرون له على نهاياتها بأيام "النكبة" و"النكسة" مثلما يعلِّم السجين أيامه بخطوط على حائط الزنزانة، تشبه حقاً عربات القطار التي تمر بمحطة المنتظر، وتأخذ الآخرين إلى وجهاتهم وتتركه، لأن وجهته ليست مرقومة على الجدول. وكلما مرّ قطار آخر وانصرف، ابتعد الأمل سنة أخرى وأصبح التقاعد من قلق الانتظار أقل احتمالاً. هكذا، على الأقل، رسم الفلسطيني الذي رحل وهو ينتظر، محمود درويش، فكرته عن الخبرة الوجودية الفلسطينية: "مرَّ القطارُ سريعاً، كنتُ أنتظرُ. على الرصيفِ قطاراً مرَّ، وانصرفَ المسافرون إلى أيامهِمْ. وأنا، ما زلتُ أنتظرُ".
الفسحة الوحيدة التي استراح فيها بعض الفلسطينيين من عمل الانتظار، كانت فترة الاشتباك. في تلك الأيام المجيدة التي أصبح البعض ينكرونها ويستنكرونها بشكل غريب، أصبح العمل الدنيوي للفلسطيني المقاوم هو التخلص من فخ الانتظار بالتحديد. وانهمك المقاتلون في المعسكرات في ابتكار وسائل العودة بطريقتهم، من دون انتظار عربات يقودها الآخرون، واستبدلوا عمل الانتظار بعمل الشروع في السير على الأقدام -حرفياً في كثير من الأحيان- نحو الوجهة الأخيرة التي يقصدها الجميع في آخر النهار: البيت. البعض سقطوا وهم سائرون. وثمة فرق بين الموت ماشياً وبين موت المرء في فراشه منتظراً الموت "كما يموت البعير".
استقالة الفلسطيني من النضال، تعني الاستسلام لهذا البديل الأخير بالضبط. وحتى لو بدا متفرغاً لعمله الإضافي، فإنه لا يمكن أن يكون متخففاً من عمل الانتظار. سوف يُذكّره ألف حادث وخبر بأنه ينتظر، وبأنه سيظل غريباً حتى يحمله قطاره إلى حيث يجب. سوف يسمع أغنية عن بيسان. سوف يسمع خبراً عن فوز فريقه الوطني. سوف يشاهد مدن فلسطين الساحلية الفاتنة في فيلم وثائقي، فيقول: كم بلدي جميل ومفتوح على البحر. سوف يغتصب أحد دوره في المصعد أو طابور الخبز والوظيفة لأنه غريب. سوف يسأله أحد عن بلد جده الأصلي. سوف يشاهد مخطوطاً على جدار شعاراً عن "العودة"، وسيتذكر أنه ينتظر!
الارتباط التاريخي المتأسس في الذات الفلسطينية، الذي أورثه الفلسطينيون لأبنائهم؛ الإيمان بعودة أكيدة قادمة ستأتي، جعل الفلسطينيين الصغار في المنافي لا يقلون فلسطينية عن آبائهم وأجدادهم الذين خرجوا من هناك في "النكبة" و"النكسة". عندما يرون مدينة فلسطينية في الصور، يقولون هذا بلدي. وعندما يتباهى الآخرون بما يملكون، يستدعون ما يعرفونه من الآباء عن أملاكهم هناك. وإذا قرأوا في التاريخ أن ساحل فلسطين كان متصلاً منذ فجر التاريخ بشريان الحضارة العالمية، يقولون: نحن لنا شاطئ طويل مفتوح على الدنيا ومدن وموانئ.
5 حزيران 67 الذي يحيون ذكراه الأليمة اليوم، جلب ما تبقى من الفلسطينيين في شيء يشبه الاستقرار إلى خانة الانتظار أيضاً. قبله، كان المنكوبون من 48 يذهبون للزيارة فيما تبقى من الوطن. كانوا يجدون في محطات الغربة "قطارات" وجهتها فلسطين. وكانوا يجدون في الأرض الصغيرة التي لم يحتلها العدو أقارب يستقبلونهم هناك، في شيء من البيت. وفي اليوم التالي فقط، انغلقت على كل الفلسطينيين دائرة الغربة.
الفلسطينيون الآن شعب كامل قيد الانتظار. سوى أن هذا الانتظار المتعب بالتحديد هو الشرط الوجودي الذي لا مندوحة عنه للبقاء الفلسطيني. لو كفّ الفلسطينيون عن الانتظار، لما عاد هناك فلسطينيون. كان سيصطادهم فخ النسيان ويلغيهم فقدان الأمل.
احتراف الفلسطينيين مهنة الانتظار كل هذا الوقت، ورغم تعاقب النكبات، ينبغي أن يشكل البوصلة لحداة الرحلة الفلسطينية: لا تقاعد للفلسطيني من حرفة الانتظار سوى وصول قطاره الذي يقصد وجهته النهائية: بيته في فلسطين!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة