لاحظ صديق أن الناس لم يعودوا يحترمون واقعة الموت؛ أصبحوا يقابلون أخباره باستخفاف، وأحياناً ببعض التندر. قلت إن حدث الموت ربما أصبح مبتذلاً تقريباً لكثرة ما صار حاضراً ومطروحاً على قارعة الطريق. أصبحنا نشاهده بكل أشكاله وتجلياته على الشاشات يومياً، ونسمعه في الأخبار، ونختبره فيمن حولنا بتكرار عجيب. كان الناس دائماً يموتون، لكن الموت بدا لنا في زمن غير بعيد حدثاً متباعداً. كنا قليلاً ما نسمع برحيل قريب أو أحد المعارف. كنا نتأثر كثيراً ونختبر شعوراً جديداً ونحن نحاول استيعاب المعنى الجليل والغامض.
وليس الموت وحده. لم تعد كثيرة تلك الأشياء التي تصيبنا بمشاعر متطرفة من الحزن أو الفرح أو المفاجأة. ليس هناك، مثلاً، شيء يشبه دهشة رؤية المذياع لأول مرة، أو دخول السينما لأول مرة، أو امتلاك جهاز التلفزيون الأول، أو حتى متعة صناعة الطائرة الورقية أو ربح "البالون رقم 10" الكبير من "سحبة البلالين". اليوم، يمتلك الولد لعبة ثمينة يوم السبت، لتصبح قديمة ومملة في الخميس التالي. وإذا امتلك الراشد شيئاً بعد عناء، مهما تاق إليه، نظر حوله فرأى في يد غيره الكثير جداً مما هو أحسن منه، ففوّت شيئاً من خبرة الشعور بالإنجاز.
حتى الحرب. في العام 1973، مثلاً، عندما قامت الحرب بين بعض العرب وكيان الاحتلال، امتلأ الجو بأحاسيس غير عادية يصعب وصفها. اليوم، أصبحت الحروب التي تستعر في الجوار القريب شيئاً من التفاصيل اليومية، مثل شرب الماء. وكذلك حال خطابات الزعماء والساسة. مثلاً، كانت الشوارع تكاد تخلو من المارة ساعة خطاب عبدالناصر، وكأنه حدث وجودي. الآن، يتحدث الزعماء بلا توقف، فلا يكاد يستمع إليهم أحد سوى المهتمين القلائل والمتابعين لغايات العمل. ومثل ذلك الأغاني؛ ليس هناك اليوم شيء يشبه الاستماع إلى أغنية جديدة لأم كلثوم أو عبدالحليم أو فيروز. لم يعد شيء يمتلك هبة انتزاع الانتباه.
بشكل ما، ذهبت منا في مجتمعاتنا "المفتوحة" دهشة التعرف. أو أنها غامت النقطة الشعورية التي كانت ذات مرة حادة الوضوح بين اللحظة التي تسبق الخبرة وبين اللحظة التي تليها. صارت الانتقالات تسيل في سياق مائع بلا علامات تأسر العين والخاطر. ومع فقدان الأشياء والخبرات الجديدة ذلك المعنى الغامر الذي ينطبع عميقاً في الذات، فقد الناس طبع التوق إلى الجِدّةِ والتغير. أصبحت المعرفة، في زمن العولمة وهدم الحواجز أمام السلع والمعلومات، معروضة بوفرة على الرصيف وغارقة في العادية. ومعها تميعت المشاعر والمعاني؛ تغير الحزن على الراحلين، وألم افتقاد صديق، وحتى الحب نفسه. مَن يزعم أن حبّ "فيسبوك" واللقاءات السهلة يشبه الشقاء في إيصال سطرين كتبهما صديق يتقن الإنشاء إلى المحبوب؟!
لخص الكاتب المسرحي أوجين يونسكو هذه المسألة في عبارتين رائعتين؛ قال: "التفسير يفصلنا عن الدهشة؛ تلك البوابة الوحيدة إلى الغامض". وفي الحقيقة، لم يسبق أن كنا تحت هذا الكم من القصف المتواصل بالتفسيرات -الدنيوية والغيبية على حد سواء- حتى تخدرنا وفقدنا الرغبة في مجرد تحريك الأرجل لاجتياز بوابة الدهشة ومحاولة استكشاف الغامض. أصبحنا مثل الثري السمين الذي يأتيه أكله جاهزاً إلى طاولته، ويتناوله وهو مستلق على أريكته. وعند نقطة معينة، يصبح ذلك خبرة مكررة ممجوجة، ولا تعود به طاقة للبحث عن غيرها. ولعل إصابة معظمنا بتخمة التفسيرات وكسل العقل هي التي تورثنا الكآبة بلا ريب.
تكتمل فكرة يونسكو بعبارته الثانية: "إنه ليس الجواب هو الذي يجلب التنوير، وإنما السؤال". صحيح! ثمة فارق بين الجواب الذي يصل إليه الفرد بنفسه بعد عناء وبحث، وبين الجواب المعلب الجاهز الذي يُقدم إليه بالملعقة. لن يكون الجواب الاستهلاكي شيئاً يُمتع الفرد، وسيظل شأناً من صناعة غيره. وفي الحصيلة، سيصبح العقل غريباً تماماً عن الاستنطاق والمشاركة في الاستكشاف وصنع المعرفة الجديدة. وبالتوسيع، سيكون هذا وصف الأمة المصابة بالبلادة وسماكة الدماغ. لن يُشاهد فيها نشاط الطفل الذي يقلب كل شيء ويتعرفه بشغف، وإنما قعود الشيخ الطاعن الذي بهتت في عينيه المعاني، ولم يعد يدهشه شيء ولا به رغبة في شيء، سوى التأهب للرحيل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة