إنه البرنامج الشهير الذي تبثّه قناة الـmbc بتمويل من مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، والذي يُراقبه باهتمام بالغ ملايين المشاهدين في العالم العربي. وهو يستمرّ في تمرير فكرة آسرة وغنيّة إلى الجمهور وإلى العقل العربي، جوهرها الإعداد والتقديم لجيل جديد من المبتكرين والمخترعين والمكتشفين والعلماء العرب، ضمن أجواء ترفيهية، تقوم بتقّريب الأفكار الناجحة إلى مستثمرين محتملين، سواء في الأسواق الإقليمية أو الدوليّة.
شبابٌ رائعون من الأردن شاركوا في البرنامج مثل مازن صلاح، الذي قدّم مشروع استخدام الطاقة الشمسية للسيارات. وهو يستحق أن يتسلّم، من الآن، وحدة إنتاج متخصّصة، ليقوم بتدريب فريق عمل محلّي لاستثمار الفكرة، لعله يقوم بحلّ جزء من أزمة الطاقة في الأردن! وكذلك أحمد رمحي الذي قدّم مشروع الحائط التعليمي التفاعلي، إذ يُمكن توقيع عقد سريع معه لاستخدام تطيبقاته في مجمل الإدارات التعليمية أو الصحّية؛ لا بل يُمكن من الآن تدريس منهجه لطلبتنا في حصص العلوم، تماما كما نقوم بتدريسهم اختراعات الآخرين من العالم الآخر.
وحتى مالك يحيى الذي لم يتمكن من إقناع لجنة الحكّام بفكرته باستخراج الذهب والفضّة من النفايات الإلكترونية، ذكّرنا بأنّ أصل الألماس هو من الفحم! وكذلك كانت سيرين الشرايري في منتهى العلميّة والإقناع وهي تُقدّم حلولا مبتكرة لتمكّن مرضى السكري من حقن الأنسولين في الجسم عبر الموجات فوق الصوتية، والاستغناء عن عملية الحقن بالإبر!
وهكذا هم؛ عقول تُفكّر خارج الصندوق؛ وهم الجسر الجديد لجيل سابق أصبح يجترّ نفسه اجترارا، لكنه ابتدأ للتو بإخراج أبطال جُدد؛ إنهم ابن العطّار وبن باجة والخوارزمي والبيروني والكندي وابن البيطار وابن سينا وابن توما وابن سمعون وابن الروميّة والأنطاكي والكوهي والخازن والقزويني والبغدادي والإدريسي وابن وافد والهيثم وابن رشد. الفرق فقط أنهم الآن بيننا من لحم ودم؛ شباب وصبايا جُدد، قادرون، أذكياء، موهوبون، ويتمنّون الفرصة.
وأن يأتي بعض من الإخراج والتصوير والتقديم لبرنامج نجوم العلوم في مقرّ الجمعية العلمية الملكية، فلذلك دلالة وقيمة خاصّة. فللمكان قدسية علميّة في ذهن كثير من العلماء في الأردن؛ فهو الذي احتضن منذ البدايات عددا من العلماء والباحثين الأوائل، وجلب أوّل كومبيوتر الى البلاد، وتخصّص بعدها في مُجمل العلوم والبحوث التطبيقية الجادّة.
وفي البرنامج دلالات استثنائية خارج التسلية وتقليد البرامج التي تكاثرت في الآونة الأخيرة. فهو نقلة نوعية في محور الاهتمام، ولطريقة تفكير؛ وتقديم سابقة نزعت إلى عداوة سريعة للأفكار الجديدة، وإلى إقصاء مساهمات القادمين الجُدد. وهناك نقاوة واضحة في معايير الدخول الأوليّة؛ فكانت تنافسية وعالمية، ليس منها درجة القرابة أو الجنسية أو الواسطة أو الدين أو مزاج المحكّم، أو أي محسوبية أخرى! وحضرت مواهب العالم العربي في رمزيّة العمل الجماعي للجنة التحكيم التي تنوّعت بخلفياتها العلميّة والعمليّة، ورفعت من مستوى التوقعات.
وأخيرا، لاحظنا الجانب التسويقي للأفكار، للتأكيد على أنّ الهدف من كل هذا الاستعراض هو أن تتحوّل الأفكار والمشاريع إلى شركات مفيدة، وهو طريق إن أصبحت سالكة، فلن يقف أمام العلماء والشركات العربية أي حائط زجاجي آخر بعد اليوم.
يريدُ الجميع، من المُحيط إلى الخليج، الارتقاء، ويحلم بالنجاح. وعلى هذه الفكرة وبهذه الرؤية ينام ويستيقظ، ويدرس ويجتهد ويعمل، ويخطط الملايين من الموهوبين والعلماء والمبتكرين في العالم العربي. فهل ستوجد فرصة حقيقية في فضائنا العربي لهؤلاء؟ لا أملك الإجابة عن السؤال الصعب ما إن كان الإنسان النجم يُولد هكذا موهوبا وجاهزا بهبة ربّانية. لكن من المؤكّد أنّ عمليّة صُنع النجوم قد أصبحت الآن نشاطا أساسيا، وضرورة اقتصادية. ومن المؤكّد أيضا أنّ السماء المُعتمة تحتاج إلى نجوم متعددة ومجتمعة لكي تضيء، ولا يُضيئها أبدا نجم واحد!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد ضحى عبد الخالق