ما في شُغل؟
بعد سلسلة من أيام العطل التي تراكمت في الأسابيع الأخيرة (أعياد، ومدارس، وفيضانات، وثلوج)، فإنني إلى اليوم لا أعرف بالضبط لماذا “عطّل” الشعب الأردني، ومؤسساته الرسمية، وشركاته، ورجالاته، يوم الأحد الموافق العشرين من كانون الثاني (يناير)؟ وإلى الآن أتساءل: بأي قانون بالتحديد يتمّ التعامل بمرجعية مع موضوع تنظيم وفرض العُطل على القطاع الخاص؟ وللعلم، فإن يوم الأحد لا يُمكن أن يكون يوم المولد النبوي، بل جاء ترتيبا إداريا اعتباطيّا لليوم الكريم.
فما هي قصة الإجازات والعطل المستمرّة لدينا؟ ومن أين أتت حكوماتنا الرشيدة بهذا "النسق" من التعامل الإداري، بدون أخذ الوضع الاقتصادي للبلاد بعين الاعتبار؟
وإن جاء التعطيل من أجل التنسيق للانتخابات النيابية، فلا يوجد تفسير لاختيار يوم الأحد؛ فمعظم الحضارات تقوم بإجراء عمليات التصويت وغيرها في أوقات عطل مُحددة ومدروسة سلفا.
وبالنسبة لسكان المحافظات، فيوم السبت هو يوم مناسب، ولم يُسجل اعتراض عليه. وإذا جاء التعطيل تجنّبا لربط المناسبات؛ فقد جاء يوم الأحد وصلة وقطعا.
فلأن العطلة لم تكن مُمتدة، فقد قامت المؤسسات بفتح أبوابها ثم أغلقتها، ثم فتحتها لتُغلقها من جديد في يوم الانتخابات بعد ذلك بقليل، مع كل ما في هذا من هدر للموارد. ومن كان يُخطط لإجازة أو سفر، لم يوقفه ترتيب الأيام؛ فهو مُمتنع عن المشاركة في الانتخابات من الأصل!
الأردن اليوم هو أكثر دولة فيها “عُطل”. ومن قطاعنا، قطاع الاتصالات، فإن المشهد يؤلم أكثر.
فمنذ العام 2000 يتم التأسيس لدولة الاقتصاد المعرفي، مرورا بتنفيذ رؤية لمراكز اتصال دولية ومعلوماتية ولخدمة العملاء الإلكترونية، كما لتأسيس مراكز البرمجيات والدعم الحاسوبي بعقود دولية، تشترط ضمن ما تشترط توافر الموارد من الأردن بمبدأ “24 /7”، وكذلك خطط الاستثمار والزيارات ونقل التكنولوجيا. وكل شيء يتم تأجيله بجرّة قلم!
يعمل المواطن الكوري الجنوبي بمعدل 2193 ساعة في السنة! أما الأميركي، فهو يعمل بمعدل 137 ساعة أكثر مقارنة بالياباني، و499 ساعة أكثر مُقارنة بالفرنسي، وبزيادة 400% في معدّل إنتاج الفرد للقرن الحالي. ثم يتساءل البعض عن أسرار وأسباب النجاح!
يُعزى ذلك إلى ثقافة عمل بروتستانتية صارمة، لطالما اعتبرت أن العمل هو التعبير الأدق للقرب من الله بالبناء، ومقياسا لإنكار النفس في خدمة المجتمع الأكبر. وتلك ثقافة مثيلها الخطاب الإسلامي الذي أنتج فكرة “العمل عبادة”، “وقل اعملوا”.
الموضوع أصبح مجحفاّ (بكل ما في الكلمة من معنى) بحقّ القطاع الخاص. ولا بد أن تنص اللوائح صراحة على أنّ القطاع الخاص غير مشمول بالترتيبات العشوائية، وأن عجلة الإنتاج الواقعي غير معنية بكرم حاتمي أو بسياسة إدارة أبسط حلولها الإرضاء السريع. لا بل إن “أعطهم إجازة” لم تعد استراتيجية ممكنة! فالناس تجلس في بيوتها تمارس النميمة والنوم، وتغتاب الحكومات.
لقد صدرت توصيات عديدة عن القطاع الخاص بأن لا تتجاوز أي عطلة مدة يومين، خصوصا إذا جاء قبلها وبعدها عطلة نهاية الأسبوع، وأن لا يتمّ تقرير العطل قبل مراجعة وافية لحاجات القطاع الخاص، وحاجات التصنيع والتصدير. فنحن بلد فقير بموارده، عندما لا يعمل يموت أو “يستجدي”، وهو يستحق العطلة عندما يتخلص من المديونية ومن عجز الموازنات! والتأهّب هو أسلوب وطريقة في العمل وفي الحياة أيضا، و”التسويف” لم يعد خطّة مُمكنة!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد ضحى عبد الخالق العلوم الاجتماعية