في العشرين من نيسان عام 2000 اقر المجلس الاقتصادي الاستشاري في اجتماع عقده في العقبة مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة بعد الاطلاع على دراسة اللجنة الفرعية التي كانت برئاسة النائب المهندس علي ابوالراغب, وبعد ذلك بشهور قليلة جاءت حكومة ابوالراغب التي اعتُبرت حكومة مشروع العقبة الخاصة لحماس رئيسها للمشروع وربما لاعتقاد البعض ان الرئيس "السابق" لم يكن يحمل ذات الحماس وكان له تحفظات على الفكرة والتفاصيل.
ومهما تكن المواقف الفنية والسياسية من المشروع فقد كان يمثل اجتهادا ومحاولة جادة لتطوير الاقتصاد الاردني, والبحث عن بدائل جديدة لزيادة الاستثمارات وتوفير فرص العمل, وايا ما كان الدعم السياسي الذي قُدم للمشروع فانه لا يحوله الى فكرة مقدسة غير قابلة للنقد او التقويم, بل ان الدعم السياسي الذي حظيت به فكرة المنطقة الخاصة كان لحث القائمين على المشروع في الحكومة والمفوضية لبذل الجهد المناسب لتحقيق النجاح, لكن البعض حاول تجيير هذا الدعم لهيئات وقرارات واشخاص, او رفع هذا المشروع الى مكانة لا يجوز معها الحديث عنه الا بالمدائح او على الاقل الصمت عن التشاؤم.
وقد وقع بعض القائمين على المشروع في خلط قد يكون متعمدا عندما مزجوا امنياتنا جميعا بان تكون العقبة موطنا لاستثمارات كبيرة, ومكانا يجد فيه الاردني فرصة عمل, وبين الواقع والممكن, وهذا المزج والخلط رفع من مستويات التوقعات الى صناعة الاحباط مع مرور السنوات على العقبة دون ان تتحول الى ما كان يقال عنها, ولم يعد مجديا مع الاردنيين ان يسمعوا الكثير من الارقام الفلكية عن مستقبل العقبة الاقتصادي, فالمبالغة في التفاؤل والتسويق السياسي الداخلي للمشروع اوجدت مسافة واسعة بين الواقع وارقام المسؤولين حتى خرجت العقبة من اجندة المستقبل الاقتصادي وعادت الى مسارها الطبيعي مدينة سياحية رغم وجود مراكز جمركية ومداخل جميلة.
وبعد اكثر من اربع سنوات على انطلاق المشروع ما زال الانجاز محدودا, ولا يغير من وزنه وجود مفوضية برئيس ونائب للرئيس يدير شركة التطوير, فالفكرة لم تأت للبحث عن هيئات تقوم مقام سلطة الاقليم او البلدية, وتجميل الشوارع وانجاز ارصفة واطاريف امر يمكن للبلدية ان تقوم به وبخاصة في ظل الدعم السياسي والمالي الكبير الذي حظيت به المفوضية, وامتلاكها لهيئة اركان من مفوضين وموظفين برواتب كبيرة.
العقبة مدينة سياحية منذ عقود وتطوير السياحة فيها لا يحتاج الى فكرة طموحة مثل المنطقة الخاصة, لكن عدم تحقق الهدف الاكبر جعل بعض المسؤولين في المفوضية يركزون اعلاميا وميدانيا على اعمال سياحية مثل استقبال افواج من السياح او تطوير الشواطئ او الحديث عن الاطاريف او المطبات النموذجية في شوارع العقبة, كل هذا عمل جيد لسلطة الاقليم او بلدية او مديرية سياحة لكنه ليس بديلا عما كان يقول هؤلاء عن عشرات الآلاف من فرص العمل التي سيستفيد منها كل الاردنيين.
ليس انجازا ان تمتلئ المدينة بالمواطنين في الاعياد فهذا ليس جهدا للمفوضية او شركة التطوير بل لاسباب تتعلق بالرغبة في شراء الملابس والدخان والخمور واطارات السيارات والموز والحرامات, وليس مقياسا لنجاح فكرة اقتصادية طموحة ان تتحول الى سوق شعبي.
ولعل مما يغيب عن البعض ان تركيز اهتمام المفوضية في مراحلها الاولى على العقبة اتبعه اهمال لبقية قرى المحافظة, ولولا المتابعة والجدية في اداء محافظ العقبة واقترابها من مشكلات القرى البعيدة لربما تسبب مشروع المنطقة الخاصة بآثار سلبية على ما دون المدينة من المحافظة, ومنها القرية التي تبعد عن العقبة "20" كم التي زارها جلالة الملك وتفقد اهلها ورأى ان بعضهم دون احذية وانهم لا يعرفون العملة الاردنية الجديدة, ولولا اهتمام الملك ورعايته لهذه المناطق لاصبحت مناطق خاصة لكن من نوع مختلف.
واخيرا فان اي فكرة تحتاج الى تقييم ومراجعة, فالخطأ ليس في ان لا تتوفر الظروف لنجاح المشروع بل ان نستمر في مسارات غير مجدية, وان لا نمارس تقييما علميا موضوعيا, فلا يخطئ الا من يعمل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة