قبل عقد قمة شرم الشيخ الاخيرة اعلنت القيادة السورية عن موقف ايجابي تجاه القمة يصل الى الترحيب بها ودعم نتائجها, كما اعلنت عن استعدادها للتفاوض مع اسرائيل دون شروط مسبقة, وهذا الموقف ليس تغييراً في موقف سورية التاريخي, فمنذ عقود كانت وما زالت تقبل بالحل السياسي للصراع منذ قبولها بقرارات مجلس الامن 242 و338 التي اصبحت حلماً عربيا بعدما صنعت اسرائيل سقفاً سياسياً جديداً للحقوق والحلول, كما ان سورية لم تفتح حدودها منذ عام 1967 لاي طلقة لتحرير الجولان المحتل, كما ان الحكومات السورية واجهزة مخابراتها لم تحاول ان تساهم في صنع حالة مقاومة او تنظيم سياسي او عسكري لمواجهة الاحتلال الصهيوني, واقصى ما فعلته انها اجادت استغلال الوضع اللبناني وقوى المقاومة فيه وتحويلها الى ورقة سياسية فضلاً عن القوى الفلسطينية والقيادات القطرية للحزب في ساحات عربية اخرى.
كل هذا لم تفعله القيادة السورية سراً, وكانت المشكلة في تطوع انصارها او ادائهم لادوارهم القومية في تقديم كل هذا باعتباره موقفاً قومياً وجزءاً من حالة الصمود في مقابل التخاذل والانهزامية التي توصف بها انظمة اخرى مارست ذات الممارسات والمواقف السياسية السورية.
والغريب ان هذه القوى تمارس ازدواجية مكشوفة؛ فهي ترفض مواقف الدول الاخرى من التسوية على قاعدة رفض مبدأ التفاوض مع اسرائيل باعتبارها تفريطاً بالحقوق العربية, ويتحدثون بلغة الستينيات الثورية حيث ما يؤخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة, حيث ثبت للامة بعد ذلك ان هذا المعسكر الثوري القومي كان يمارس مفاوضات سرية مع اسرائيل, واستطاع بضباب ودخان الخطابات الهادرة ان يغطي على ان هذا المعسكر اول من قبل بقرار 242 الذي اعترف (بحق) اسرائيل في احتلال ارض عربية واقامة دولة صهيونية عليها.
وفي نفس الوقت فإن هذه القوى ترى في المعسكر الثوري الحالي ودولته رمزاً للصمود وقلعة الحفاظ على الحقوق العربية على قاعدة نتائج المفاوضات وليس مبدأ القبول بها, ولهذا فإن ترحيب سوريا بقمة شرم الشيخ واعلانها الاستعداد للتفاوض دون شروط قدم حماية سياسية واعلامية لهذه القمة, فكانت ردود فعل القوى التابعة لدمشق غائباً او في الحد الاقصى ضعيفة, وهكذا كان الحال بالنسبة للشراكة غير المباشرة لقوى المقاومة في نجاح القمة, وكان هذا جزءا من نجاح الدبلوماسية المصرية وربما جهات اخرى غير عربية, لكن هذا كان ادانة لازدواجية المعايير، ولهذا مرت عملية فتح الابواب امام شارون او ما يسمى بالتطبيع, واعادة السفيرين الاردني والمصري, مرت على هذا وغيره بهدوء, وهذا الحال ليس فقط في هذه القضية بل له تاريخ وحاضر ومستقبل.
ولكم ان تتخيلوا لو ان سوريا وصلت الى اتفاق مع اسرائيل ومارست علاقات طبيعية فإن موقف الحلفاء من القوى العربية والفلسطينية سيكون خافتاً وربما لن يجد البعض حرجاً في البحث عن التبريرات او تسويق هذا باعتباره مصلحة قومية. ما نقوله ليس مبالغة او خيالاً سياسياً, فقد عشنا مراحل قريبة كان فيها الخطباء والمتظاهرون يطالبون بفتح حدود عربية لاداء فريضة الجهاد بينما يستثنون حدود سوريا مع اسرائيل, بل ويتحدثون من دمشق متهمين الانظمة الاخرى بالتفريط بالحق وعدم دعم المقاومة بينما يتجاهلون ان الجولان ارض محتلة لم يبذل باتجاهها اي عمل مقاوم.
مرة اخرى.. ليست المشكلة في الموقف الرسمي السوري بل في اخرين يعتبرون استقبالهم من وزير او ضابط امن سوري دعما للقضايا العربية ويطلقون السنتهم مديحاً وقصائد شعر في الصمود, ودفع فاتورة في ادانة الاخرين، لكن بانتقائية حسب اولويات سياسة صاحب التوجيه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة