نحن العرب، شعوبا وانظمة، مغرمون بالاخراج والمونتاج للاحداث اكثر من اهتمامنا بالنتائج, ومستعدون احيانا لتجاوز الآثار السلبية او المدمرة لبعض الاحداث لكننا ننشغل كثيرا بعملية اخراج ما يجري والاسم الذي نطلقه عليه, وفي ذات السياق نمارس تضخيما ومبالغة لبعض الانجازات حتى وان كانت محدودة.
 
ففي ثنايا الصراع العربي الصهيوني ورغم النتائج الكبيرة والخسائر في حرب عام 1948 الا اننا حرصنا ان نعطيها اسما فنيا فكانت النكبة, وحمّلنا كل ما جرى للانتداب البريطاني والاسلحة الفاسدة لدى الجيش المصري، رغم ان الانجليز اعلنوا قبل اكثر من "30" عاما من النكبة انهم سيقيمون لليهود وطنا قوميا في فلسطين, وتحدثنا عن الدور التاريخي للاسلحة الفاسدة رغم ان البديهيات تشير الى ان السلاح يجرب قبل استعماله, وان القصة اكبر من اسلحة غير قابلة للاستعمال, ولم يشر الكثيرون الى قصص بطولة في الجيوش المصرية والاردنية والعراقية رغم هيمنة الانجليز وقصص الاسلحة الفاسدة.
 
وفي عام 1967 لم تكن اسلحة فاسدة او قادة انجليز، فكانت الهزيمة التي اطلقنا عليها اسما فنيا وهو "النكسة"، وخرجت علينا الانظمة التقدمية والثورية باخراج للهزيمة بحيث تحولت الى انتصار لان تفسير الثوار ان اسرائيل لم تكن تريد ارضا وانما اسقاط هذه الانظمة الثورية, وما دامت الانظمة باقية فالامة بخير, وبدلا من ان ينشغل الشعب المصري بالبحث في الهزيمة تم ادخاله في دوامة اقناع الزعيم الرمز بالعدول عن استقالته, ولم يتحدث احد عن كارثة ضياع الارض وهزيمة لم تستغرق الا بضع ساعات, وكيف لا تكون قيادة الجيش المصري على استعداد وتوقع للحرب رغم ان صناعة اجواء الحرب كانت من القيادة المصرية التي اغلقت مضائق تيران, وهي التي عقدت معاهدات دفاع مشترك مع دول عربية, فهل من المعقول ان لا تتوقع هذه القيادة الحرب وان تعيث الطائرات الاسرائيلية الفساد في الاجواء المصرية دون ان تكون اي طائرة على استعداد؛ فالطيارون نائمون, لكن المهم هو الاخراج والتبرير.
 
والمفارقة ان ملفات المخابرات المصرية حملت للعرب مسلسل رأفت الهجان باعتباره اختراقا لاسرائيل, لكن حالة الفخر الفني لم تتوقف طويلا عند لحظة ان الهجان اخبر قيادة مصر بموعد الحرب بالدقة, فما قيمة الهجان اذا كانت تقاريره ترمى, الا اذا كان لاسرائيل امثال الهجان في الجانب الاخر.
 
وهكذا حرب عام 1973 التي انشغلنا باسمها ولم نتفق عليه فهي حرب رمضان, وحرب تشرين, وحرب اكتوبر وضخمنا انجازا حقيقيا وهو اقتحام خط بارليف لكننا نغمض عيوننا عما فعله شارون عندما حاصر الجيش المصري او ما فعله الجيش الاسرائيلي على الجبهة السورية, وربما لو دققنا النظر وتجاوزنا الاخراج لوجدنا ان السياسة اجهضت بطولات الجيوش وصدق الجنود.
 
والاخراج مهم ايضا حتى الآن؛ فيصر معسكر السلام على شكليات السلطة الفلسطينية واخراجها وكأنها دولة ليكتشف الناس ان عرفات مات وهو لا يملك قرار مغادرة مكتبه, وتنسحب اجزاء من الجيش السوري من لبنان لكن الاخراج يقتضي ان يسمي ذلك اعادة انتشار, وتكون الاستجابة للضغوط الامريكية لكن الاخراج يجعلنا نسمع انه تطبيق لاتفاق الطائف, وفي عالمنا العربي الديمقراطي يقرر الرئيس "المنتخب" البقاء الى الابد؛ لكن الاخراج يقتضي تنظيم استفتاء او انتخابات شكلية حتى يقال ان الجماهير هي التي اختارت, وحتى عندما يوصي قائد ثوري لابنه فان التعيين يحتاج الى اخراج وتصويت من مجلس النواب والشعب وتعديل للدستور وكأن احدا من كل الرعية والنواب يملك ان يقول غير ما يريده القائد الرمز وهو في قبره, فهو الى الابد زعيم عبر ذريته.
 
والاخراج مهم ايضا عندما تريد الحكومات زيادة اعباء المواطنين؛ فزيادة الاسعار تسمى "تعديلا", والضرائب الجديدة تصحيح اقتصادي, وتعيين ابناء واقارب الكبار عدالة ومساواة, ولهذا فان هذه الاجواء تسمح بتسمية المدائح والبلاغة انتماء, ويصبح تصفيط الكلام بلا روح حبا للاوطان يفتح لصاحبه الخزائن والمواقع, وهذه الفئات تمارس ردة على كل ما كانت تقوله اذا حجبت عنها خدمة المغلفات او قرارات التعيين.
 
كلنا نهوى الاخراج ولهذا فالقِران يكتب ويستخرج العريس دفتر العائلة لكن لا بد من الوجهاء والنواب ووضع فنجان القهوة امام كبير الجاهة؛ ورغم ان الحضور يعلمون انهم يمارسون عملا تمثيليا وليس طلبا للعروس, تماما مثلما هي القمم العربية التي تكون مفعمة بالفشل لكن الاخراج يقتضي الاصرار على بيان مشترك لا يقرأه إلا من يتلوه, وقبلات في الاستقبال والوداع, وكما يصر بعضنا على اخراج توزيع المساعدات اكثر من اهتمامه بمردود هذا الفعل وهل هو جزء من عمل مؤثر او ممارسة آنية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة