لا أدري «سرّ» السماعات التي تتدلّى مثل آذان الفِيَلة من أعناق الشباب والشابات والرجال والنساء والاطفال عامة هذه الأيام.
أمس كنتُ اصعد درجات سلّم البيت، كي أنتظر «باص المدرسة» الذي يقِلّ صغيري الى مدرسته، فواجهتُ مباشرة ابن جيراننا الذي يمكن ان يكون في المرحلة الثانوية. وبحكم ما تربينا وبالفطرة التي فطر الله الناس عليها وربما بغباء وطيبة مني،أشرتُ له: صباح الخير. كونه اول وجه اقابله في نهاري.
لم يرد الشاب.فظننت انه لم يسمع.فكررتُ»التحية» وهي»السلام عليكم».
قال:ايش فيه
خفتُ ان يضربني.قلت:فقط اقول لك، السلام عليكم.
قال:أهلين.
يعني كان سامع ما اقول.
فتدخل شقيقه الاصغر وقال معتذرا: معلش حاطط سمّاعات في اذنيه.
هو واحد من العديد من الكائنات التي «سبتها» سمّاعات الاجهزة الخلوية الحديثة، حريتها. وأمانها. فهربت الى العُزلة الاختيارية.لعلهم يسمعون الموسيقى او اغنيات معينة او ينتظرون «مسجا» عبر «الآي باد» وكلها امور»باد» وسيئة.
هي»عزلة» واختباء سمعيّ خلف «أسلاك بيضاء متدلية مثل أقراط الغجريات. وهي بعض سلوكيات مقلّدة للغرب بشكله الفجّ والساذج.
فكم من ولد او فتاة لم تركّز في حديث والديها، بسبب السمّاعات. وكم حادثة سير وقعت بسبب هذه السمّاعات الطويلة |
رأيتُ -وهي مشاهد يومية- سيدة تقود سيارتها، غير آبهة بالدخول الخاطىء للطريق. بسبب انشغالها بارسال»رسالة» عبر الموبايل. فلم تسمع «زامور» شاحنة ضخمة كادت تفتك بها وتحوّل سيارتها الصغيرة الى «علبة سردين».
لماذا يهربون من حياتهم ومن واقعهم صوب»العزلة» وصوب»المستحيل»؟
من أقنعهم ان ذلك»أسلم» لهم؟
بتنا كائنات يعيش كل منا في جُزُر معزولة، وبعيدة عن الآخرين.
لا حوارات بيننا، ولا احد يسمع التحية.فالسمّاعات سرقتنا من أنفسنا وممن حولنا.
ويا فيروز، لا تندهي ما في حدا يسمع رائعتك»سلملي عليه».
لا أحد ينتظر السلام |
بقلم: طلعت شناعة.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة طلعت شناعة جريدة الدستور
login |