حينما دعاني إلى فنجان قهوة من نوع آخر ، كما قال، ، ظننت أنه قد مزج البن وهجنه بمذاقات أخرى كالشكولاته أو البندق أو الكرز المجفف ، لكنني ما أن ارتشفت رشفة خفيفة وأغمضت عليها بعض عيني ، حتى قلت له: هذه قهوة بطم،، ، فقال مستهجناً: كيف عرفت ، وأنت ابن امبارح ، ولم يعد أحد يحفل بالبطم أو قهوته ، التي مضت مع أجدادنا؟؟،: فقلت: هذا مذاق يتغلغلني حتى ريق خلاياي ، فكيف لا أميزه أيها الصديق العتيق ، وهل نسطيع أن ننسى البطم ونكهته؟،،.

رغم أني لا أفضل على قهوتي المعتادة أي قهوة أخرى ، لأنها حليبي الدائم الذي أتريق عليه ، ولا أفطم عنه ، في كل فسحات النهار ، إلا أن نكهة البطم في ذلك الفنجان أعادتني إلى شجرة بطم معمّرة في خاصرة جبل أحبه بعجلون ، أمر عليها كلما ضربني الحنين ، فأسلم سلام العاشقين ، وأدور حولها متفقداً جذوعها ، بعد أن امتدت مناشير التحطيب الجائر لكل أشجارنا.

في الربيع ، كنت آخذ معي عبوة ماء صغيرة ، ثم أنتقي عن جذوعها بعض أغصان غضة طرية ، لم تقسُ بعد ، نسميها (لباليب البطم) ، أمضغها بنشوة ، ثم أشرب فوقها ماء ، كي أنال أطيب نكهة ممكن أن تجدها في الطبيعة في ذلك الوقت ، وفي شهر آب ، وفي مثل هذه الأيام تحديداً ، وعندما أيمم شطرها أجدها قد طرحت ثمارها الكروية الزرقاء التي تكبر حبة العدس بقليل ، ومن هذه الحبات صنع صديقنا قهوته ، بعد أن جففها وطحنها،،.

البطم يسمّى شجر الحبة الخضراء ، ربما لأن الثمار تكون حمراء في صغرها ، ثم تخضر قبل أن تستقر زرقاء في نضجها ، وبعض البلدان العربية تسميه (الصرو) ، وهو من الفصيلة الفستقية ، ستكتشفون هذه المعلومة من المذاق ، يصل طول شجرته إلى ستة أمتار ، ترمي أوراقها في تشارين ، وتطرح صمغاً على جذوعها ، كان الغجر(النَّور) يجمعونه ليتحول بشيء من مهارتهم السرية إلى علكة البطم الشهيرة.

ثمر البطم الأزرق يقطف ويصوّل (يغسل) بالماء ، وينشر في الظل ليجف ، وبه نسبة لا بأس بها من الدهن أو الزيت ، تشبه زيت القهوة تحديداً ، وفي الشتاء يأتي طيبه بعد أن يخلط مع القلية (القمح المحمص) ، ليؤكل كتسلية تجلب الدفء من حيث لا ندري.

أشجار البطم تُركب وتهجن لتصبح أشجار فستق ، وهذه العملية نجحت في عجلون والشوبك على ما أظن ، لكن حتى لو أرادوا تحويل البطم إلى ذهب أحمر ، أو مسك وعنبر ، فلا نريده إلا أن يظل بطماً رائعاً نلقي بالسلام عليه كلما ضربنا الحنين،،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية