أعلنت نفسي كائنا نباتياً خالصاً يتغذى على الخضار والفاكهة والخبز الحافي طيلة هذا الأسبوع ، تلبية لدعوة مقاطعة اللحمة ، رغم اعتقادي الجازم بأن هذه المقاطعة لن تؤتي أكلها ، ولن تحقق أهدافها بخفض الأسعار وإجبارها أن تفيء رشدها ، ولن يصبح سعر المعلاق بسعر صحن حمص ، إلا إذا ركب الحمص صاروخ الأسعار ذاته،،.

واعتقادي هذا ليس تشائماً ، ولا تكسيراً لمجاديف الدعوة ، أو وضع للعصي في دواليبها ، ولا ثقة بأن الناس لا تستطيع أن تستغني عن اللحمة للأسبوع ، بل هذا الاعتقاد يجيء من معرفة بطبيعة مجتمعنا وطريقة تفكيره وسلوكياته ، خصوصا في مثل هذه الأزمات السعارية التي تصيب كلب الأسعار ، وكلنا يندهش كيف نتهافت على البندورة إذا غلا سعرها ، بل ويصبح صحن السلطة مطلبا جماهيريا لا يقاوم مثلاً.

فنحن (فرديون) بكل معنى الكلمة ، و(كل شنده في بنده) ، كما يقول المثل ، أي كل يذري قمحه إذا طاب هواؤه ، ولا شأن له بالآخر ، أي نفسي وبعدي الطوفان ، فالواحد منا يكون ناجحا ومتفوقا ومبدعا ، وهو يعمل وحده بصورة فردية ، ولكنه لا يستطيع أن يكون عضوا فاعلا بذات الكفاءة في فريق عمل ، ولهذا لن تجد نفعا كل الدعوات ، بأن نكون يدا واحدة ولسان واحدا ، فنقاطع اللحمة أو نتوقف عن الحركة يوماً احتفاء برفع البنزين ، فكل دعوة هي عرضة للخرق والثقب والتمزيق ، فقلوبنا شتى،،.

وحتى جمعية حماية المستهلك ذاتها ، صاحبة دعوة المقاطعة ، لا نعرف من أعضاء هيئتها العامة أو الإدارة وعلى مدار سنوات طويلة من اللقاءات الصحفية والإعلامية إلا رئيسها ، مع احترامنا لشخصه وجهوده ، ولكن هذا مؤشر إضافي على فرديتنا ، وتحركنا بهذه المنهجية ، وهنا يكمن مقتل الأشياء ، فلو تغيب رئيس الجمعية ، أو أسكت بأي سبب ، أو أية طريقة: فسيضيع الطابق وتنتهي المقاطعة،،.

في بريطانيا وقبل سنوات فكرت شركات استيراد القهوة برفع الأسعار ، فما كان من جمعية ربات البيوت إلا أن أعلنت أن كل نساء البلد سيمتنعن عن تناول فنجان قهوة الصباح ، لمدة أسبوع احتجاجا على هذا الهاجس ، فما كان إلا أن ترجعت الأسعار لما دون السعر السائد ، بل وسارع مستوردو القهوة لتقديم اعتذارهم عن هذه الفكرة: فالعمل كان جماعيا وبكتلة واحدة: ولهذا لم يقاوم.

كنت أتوقع منذ سنوات أن تنشئ جمعيات عديدة لحماية المستهلك تسير وفق آلية جماعية وضمن استراتيجية واضحة لمكافحة الجشع والغلاء ، ومعاقبة كل من يؤذي لقمة المواطن بطريقة المقاطعة الجادة الملتزمة ، لكن يبدو أننا نحتاج إلى تغيير في القيم أولاً: كي نتحصل على هذا السلوك: لنا الله.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية