عندما كنت أثبت لأطفالي هلالاً ضوئياً تحيطه نجمات غامزات على شرفة البيت: ابتهاجاً بقدوم شهر رمضان ، عنت على بالي طفولتنا العامرة بأحلام باذخة عن شهر كان يربض في نهايته عيد جميل ، ننتظره بفارغ الحب ونشهر أمنياتنا عن ثياب نرسم ألوانها بغمضة عين ، وعن حذاء لمّاع نقبله حتى لو كان واسعاً بنمرة أو إثنتين ، فكم كان جميلا ذلك الرمضان الذي أحببناه لأجل العيد.

اللسان الممدود من الفم ، كان دليلنا القطعي على الصيام ، ففي الأعراف الطفولية ، إن كنت بحق صائما كما تدعي: فعليك أن تمد لسانك بكل مداه: فإن كان لونه يجنح نحو البياض: فأنت على قيد الصيام ، أما إن كان موشى بالأحمر: فيبدو أنك كنت صائماً ، ولكنك نسيت ، فالتهمت حبة بندورة قبل مجيئك بقليل.

وأحيانا كان لا يكفينا هذا الدليل ، فنلجأ لقرص جلدة يدي مدعي الصيام ، بقسوة حاقدة ، فإن عادت الجلدة المقروصة إلى موضعها ببطء ، فأنت صائم بحق ، أيها الولد (الزلمة) ، أم إن عادت بسرعة فأنت لا تستحق أن ترافقنا نحن الصائمين.

وأول عهدي بالصيام كان صيام العصفورة ، كما تسميه أمي ، أي أن يظل الواحد فينا صائماً وصابراً: حتى يصحو من نومه ، وقبل أن يمسح توالي النعاس عن عينيه نصف المغلقتين ، يحل له أن يشتبك مع قطف عنب ، ما زال على طاولة المطبخ منذ سحور ليس ببعيد ، أو بطعام مسخن على عجل من إفطار الأمس.

وتحت تأثير أحاديث الأصحاب عن السحور ، وكيف يرفعك من مرتبة العصافير ، قمت بثورة عرمرمية أجبرتهم أن يوقظونني للسحور ، حتى ولو بالماء البارد يصبونه في صيوان أذني ، ومن يومها صار علي أن أصوم بطريقة (درجات الجامع) ، أي الصيام التدريجي ، فاليوم الصوم للعاشرة صباحاً ، وبعده للعاشرة والربع ، ثم لما قبل الظهر ، وبعدها للظهر ، ثم للعصر ، حتى تكمل يومك لصوت المؤذن ، وعندها ستصير كبيراً ، وكم كانت أفكار هامسة تراودني أن أبقى أبداً على قيد درجات الجامع.

كنا نتوضأ لصلاة العصر مرتين أو أكثر ، حسب درجة العطش ، وفي كل مرة نمعن بالمضمضة ، ثم نزيدها تركيزاً،، ، حتى أن أحد الأشقياء كان يسرُّ لنا أنه لولا هذه المضمضة الرائعة: لمات عطشاً منذ أول يوم صيام.

قبيل الإفطار بقليل تبدأ الصحون العامرة بالأطايب والأطباق المترعة بالتناقل بين البيوت ، فالجيران يتبادلون الطعام: لتحل البركة بينهم، ، وكم كنت أتمنى ، أن تكلفني أمي بنقل صحن (المحشي) ، إلى جارتنا الحاجة مريم ، فعلَّ النسيان يحالفني هذه المرة أيضاً ، وأقضم كوساية صغيرة دون أن أدري.

فجميل هذا الهلال الغامز على الشرفة أيها الأولاد ، إنه يعيدني طفلاً بأحلام تبقيه دوماً على قيد الفرح ، فكل رمضان وأنتم بخير.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور