هذا صباح مختلف جداً عن كل الصباحات الماضية، صباح يفيض بهجة من مبتداه، فالأولاد الذي يربضون في رأس الشارع ينتظرون باص المدرسة بشوق، وليلة أمس لم يغلقوا باب الحارة، ولم يمعنوا بالسهر كالمعتاد، بل خلدوا باكرا للنوم بانتظار جرس المدرسة الأول: يا مدارس يا مدارس.
هذا صباح يغرد فيه الأولاد المزركشون بالبهجة وشعرهم اللامع (المجلى) بإشباع تغريدة البداية، فيما الحقائب المتخمة تحني الظهر، ولكن الرأس مرفوعّ لأنه معبئّ بحلم كبير. هولاء الصغار في كرنفالهم البهي يعيدون آباءهم وأمهاتهم صغارا على قيد الحلم من حيث لا يشعرون.
فكم جميل أن نتحسس صورنا الحميمية المفعمة بالحنين لماض كناه وعشناه بحذافيره، وها نحن نتكرره بكل معانيه في أبنائنا: بعض الأولاد المتلهفين للمدرسة سينامون بأحذيتهم الجديدة من فرط تعجلهم لخيط الشمس الأول، فيما آخرون ستأخذهم الفرحة السريعة لعودة لفائف الزيت والزعتر، ومطرات الماء المثلوج، فأهلاً بكرنفال البهجة
| .
فلربما تنسى الجامعة وحفلة تخرجك: تنساها بدموعها وشموعها، وربما تغيب عن ذاكرتك أسماء (الشلة)، وتنمحي بعض (فياعة) الرحلات، والتآمر على تطنيش المحاضرات. قد تنسى صوت فيروز العابق في صحن الكافيتريا: وفناجين القهوة المشرعة لقراءة البخت بأصابع البنات، وقد تنسى غرقك المبين بين رفوف المكتبة، تصارع ما تيسر من فلول معادلات وأشعار وروايات، لكنك هل تجرؤ يا طفلاً كبيراً، أن تنسى يومك الأول في المدرسة؟؟؟،.
قد تنسى دهشة الفرح البريء، لما استعرتَ كشكول زميلتك الخجولة، بحجة نسخ ما فاتك من محاضرات، ثم وبعد يومين اثنين، تعيد لها الكشكول، وقد نسجت فيه قصيدتين مجنونتين، كانتا في صدرك كجمرتين | | وقد تنسى كيف تزلزلتَ بتسع درجات، حين أطلقت عليك صاحبة الكشكول، بدل القصيدتين قبلتين هامستين كرصاصتين: فمت شهيداً لحب جميل يعمره الوجدان، ولكن هل تنسى يومك الأول بالمدرسة | | .
وقد تنسى كل روائح الدنيا، لكنك ما حييت لن تنسى رائحة كتبك الأولى، التي لن تشابهها رائحة أبداً، في يومك المدرسي الأول، فهل تنسى كتبك الملونة إذ تعبق بحقيبتك الكبيرة على ظهرك الصغير، فتتمايل معها كمحارب تعبان، لكنك تستقيم بقامتك كفارس همام، إذ تقرب من حوش الدار، وتنادي على أمك بصوت رنان، كي تعرف بنت الجيران | | أنك عدت وقد صرت طالباً في الروضة، وليس مثلها ما زالت قطةً صغيرة تعشعش في دفء الأحضان | |
فيا الله، كيف نتكرر في أولادنا بكل هذا الحلم، وكم نتوق لو نتبادل الأدوار معهم لحصة واحدة فقط: علهم يشعروا كم هو جميل أن تكون طالبا، وكم هو ثقيل أن تكون اباً. فعيشوا يومكم بصدق أيها الصغار، فغدا ستكونون آباءً يشيعون أبناءهم إلى مدراسهم وقلوبهم ولهانة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |