يبدو أن الطبخ غدا فناً ذكورياً خالصاً، لم تستطع المرأة أن تبلغ فيه شأواً بعيداً، كما بلغه الرجل، وتؤيد ذلك المشاهدات اليومية، فغالبية برامج الطبخ المقدمة على الفضائيات ومحطات التلفزة والإذاعات، في هذه الرمضانية، هي لطهاة رجال تحديداً، ابتداءً بالشيف رمزي، وليس انتهاءً بالشيف أنطوان، وأسامة السيد، لكني شخصياً مازلت أرى أن الطعام الذي لا يؤنث لا يعول عليه
| ، وكل طعام لا تخالطه نكهة أنثوية يظل عقيماً | | .
وليس بعيداً عن قتار الطبيخ والنفيخ، فأذكر أنني كنت طاهياً مبدعاً، ففي طفولتنا كنا نصنع عصائد الطين بكل أشكالها، ونشوي الجنادب والسحالي، في علب السردين الفارغة، ثم نقدم مؤائدنا المفعمة بالطيبات لضيوفنا الوهميين، الذين يعودون إلى خيالاتنا بلا أصابع: من فرط شراهتهم بالتهام طعامنا اللذيذ | | .
ولهذا وكلما ناوشني الواقع بأنيابه، أتمنى لو لم أدخل معترك الكتابة، ووجعة الرأس ودوخته، وأنه كان علي أن ألج عالم المطابخ من أوسع أبوابه، أو من نوافذه | | ، فعالم الطبخ يطعم كافياراً عسلاً، وليس كالكتابة التي بالكاد تطعم خبزاً وبصلاً | | ، فكل كتاب الوطن العربي مجتمعين من نجيب محفوظهم، إلى درويشهم، لا يبيعون بالحجم الذي يبيعه الشيف رمزي، من كتابه الشهير فن الطبخ:اللهم لا حسد | | .
ومع ذلك فستظل النظرة الفلسفية العليا للإنسان، ترى الجوع أمهر طهاة الطعام على الإطلاق | | ، لأنه يقبل ويتقبل كل ما تلقيه إليه، حتى لو كان خبزاً منقوعا بماء، ودعاة الجوع هؤلاء كانوا نسّاكاً، فانقرضوا مثلما أنقرضت الديناصورات، لأنهم آمنوا أن الجوع سبب جمال الإنسان وظرافته: فهل تعجبكم هذه النظرة؟؟ | | .
يقول جلال الدين الرومي، شاعر الصوفية الأكبر، صاحب كتاب المثنوي: أن الخبز واللحم طينّ، فأقلل من أكلهما، حتى لا تبقى عالقاً بالأرض مثل الطين،. فيا ترى، فكيف لنا أن لا نلتصق بالأرض ونتشبث بها، ونحن نلتهم كل هذا الطين المطين؟ | .
في هذه الأيام يبدو أننا أصبنا (بالبوليميا) أي الإسراف الشديد بالأكل والنهم، فجل دعاياتنا التلفزيونية للطعام والشراب، وكل الفضائيات تتسابق لتقديم برامج الطهي: كيف نطبخ؟ | | كيف تشوي؟ | | كيف نهرس؟ | | ، وكيف؟ | | ، وكيف؟ | | فالكل يريد أن يعلمنا الطبخ وضروبه وأشكاله وميزاته، ولكنهم أبداً لا يعلموننا كيف نأكل، وماذا نأكل؟؟ | | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |