(الجَحرُ) هو تسديد نظرة إلى الآخر بنصف عين ، أو ربعها أو حتى خمسها ، استصغارا أو إشعاراً بإشعال فتيل عراك حامي الوطيس ، والجحر هو النظر بحدة وصرامة ، كما تنظر القطط المتحفزة إلى صيدها القريب ، والأسود الأشاوس إلى طرائدها ، ولهذا قالوا عن الشجاع الهمام بأنه أشوس.

إي لا يكون (الجحر) جحراً حقيقياً إلا إذا شحنت نظراتك بهائل الغضب الحاقد ، حتى يتقادح الشرر منك شذرا مذرا ، فإذا كانت العين هي مغاريف الحكي ، كما يقال في موروثنا الشعبي ، لأنها تعطي حقيقية وخبايا الإنسان ، كون العين نافذة النفس المشرعة ، فقد تكون أيضا أي العين منصة لإطلاق شرر يحرق أخضر الأشياء قبل يابسها ، أو لإطلاق طعنات نجلاء.

تحسرت بحزن على الحدث الذي راح ضحية طعنة تلقاها من نصلة شاب عشريني في الشارع العام قبل يومين ، دون أن يكون بينهما سابق معرفة أو خلاف ، كما اعترف القاتل ، ولكن المقتول قد حجره ، أي نظر إليه نظرة شوساء بربع عين أو أدنى: و(ليش تلد علي ، أو ليش تجحرني) ، فاستحق أن يغمد كامل خنجره في خاصرته.

فهل وصلنا إلى هذا الحد المتطرف من العنف الغريب العجيب؟، ، هل صرنا بارودا محمصاً سريع الانفجار عند أدنى احتكاك ، هل صارت سرعة وصلونا لزناد مسدساتنا ومقابض خناجرنا توازي سرعة الضوء. لماذا ازدادت الجريمة في مجحتمعنا ، فأصبحنا لا نخرج من دائرة توقعنا أي شي ، فكل شيء ممكن الحدوث ، فقد تشتعل مشاجرة في جامعة عريقة لأن أحدهم جلس على كرسي الآخر. ولهذا لا تستغربوا أن ترتكب جريمة لأنه أحدهم أطلق زامورا للآخر عند إشارة مرورية: ليش اتزمرلي،،.

بعض الخبراء في علم الاجتماع يقولون أن ضعف الوازع الديني ، والظروف الاقتصادية الصعبة التي نمر بها ، وتراجع القيم التربوية ، كلها وراء تفاقم هذا العنف المجتمعي ، ولكن هناك بلدان كثيرة تعيش ظروفا أصعب وأقسى من ظروفنا ، ولكننا لا نسمع عن جرائم فيها كالتي تحدث فينا.

أكاد أقول ، بخصوص جريمة الجحر تحديداً ، والجرائم التي تماثلها وتشابهها ، أن الواحد فينا بات يرى نفسه هو الأهم والمهم ، فالكل رؤوس كبيرة ، كما يقول المثل ، رؤوس بصل ، ولا (قنارة) بيننا ، وهي البصلة الصغيرة ، فلا تسمى رأساً. اللهم ارحمنا برحمتك.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور