صباح أول أمس كان علي أن أجري أكثر من اتصال هاتفي مع أصدقاء في الكورة وما حولها من قرى إربد ، لينقلوا لي صوت المطر وضحكته الأولى ، فما زالت تطربني دهشة اللقاء الأول بين أرض عطشى وسماء طيبة. وكم تمنيت لو كان هناك اختراع علمي يقدر أن ينقل لنا بوح الروائح على الهواء مباشرة. فأنا مشتق أن أعبئ صدري برائحة المطر الأولى.

كانت سماء عمان تجيش بالغيوم المكتنزة كعرائس الغجر في فجر الأحد ، وكنت أترقب بين اللهفة والأخرى أن ترخي جدائلها فوقنا ، وتنفض عطرها الباذخ قبل قرن الشمس ، لكنها شملت شمال ، فمنذ زمن لم نلتق بمطر أيلول ، ولم يبلل ريق الصيف فينا فيطفئ جمر الاشتياق والحنين ، فكم نتوق لرائحة التراب عقب المطرة الأولى. هي قصيدة لا تكتب ولا توصف ، ولكن تعب عباً ، فأهلاً بالمطر وطلته ، ننتظرك أيها الطيب،.

الفلاحون يسمون أول المطر (شتوة المساطيح): لأنهم كانوا إذا ما باغتتهم السماء بباكورة نعمتها يهبون إلى الزبيب (العنب المجفف) والقطين (التين المججف) المنشور والمسطوح على أسطح البيوت ، فيجمعونه بسرعة كبيرة: خوف أن يتلفه الماء ، وهم فرحين مستبشرين ، لأن هذه الشتوة كانت فألاً حسناً بموسم طيب وخصيب.

وشتوة المساطيح المفاجئة حتى لو كانت صغيرة كبخة عطر خجلى ، إلا أنها تمثل شارة البدء للفلاحين: كي يهبوا للأرض والحقول ، فيذرون فيها حبهم من قمح وفول وعدس وكرسنة ، وكان الفلاح يقول بعد أن يبذر البذار في الأرض الجافة: رميت حبي وتوكلت على ربي، ، ثم يحرثونها بكثير من الأمل والتفاؤل ، فيتطاير الغبار ويتعفر الجو مع الحراثة ، ولهذا تسمى زراعة (العفير) ، أي الزراعة في الأرض الجافة: زراعة على أمل،.

نحن لم نعد نعفر ، لأن نوايانا تغيرت ، فصرنا أقل ثقة بخالقنا ، ولهذا تظل كثير من أراضنا بوراً. لكن في أيام البركة ، كما يقول الأجداد ، كان هناك ثقة مطلقة بالرب وعطائه ، فقد كان الواحد فيهم يلقي حبه ويتوكل على ربه الذي لا ينسى أحداً من خلقه. نحن تغيرنا وتبدلت نوايانا ، ولهذا تبدلت أحولنا وشحت حقولنا ، ونزعت البركة من خبزتنا ولقمتنا ، فالواحد منا صار لا يرمي حبه في رحم الأرض ، إلا بعد أن يمحص كل النشرات الجوية على كل الفضائيات ويأكد من هطول المطر ، وكأننا لا نتعامل مع رب كريم،،،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية