حال وصولنا إلى بلدة كريمة في الأغوار ، خلال رحلة مدرسية ، أخذ المعلم يشرح لنا ، أن الثقل الذي نشعر به على طبلات آذاننا سببه ارتفاع الضغط الجوي في هذه المنطقة المنخفضة عن سطح البحر ، ولكي نعادل الضغط على جانبي طبلة الأذن ، فعليك أن تفتح فمك قليلاً. وفي تلك الأثناء كنت أسرح بنظري عبر الخضار المدهش الممتد مدى العين ، والبيوت البلاستيكية اللامعة ، وأسراب الطيور الماخرة عباب السماء بشكل سهم كبير. ففاجأني المعلم ، وقد لاحظ شرودي: وأنت ، بماذا تشعر يا رمزي؟؟،. فقلت بعفوية: أشعر بالسعادة،،.

تذكرت هذه الحادثة بعد الاطلاع على تقرير مفصل توصل إليه باحثون من جامعة (ايراسموس) الهولندية يصنفون فيه بلدان العالم على سلم من درجات للسعادة. ولكني لم آبه لموقع الأردن في هذا التصنيف الجديد ، رغم أنه موقع لا بأس به: لأني أشعر أن السعادة عصية على القياس والحساب والوزن بشكل دقيق ومضبوط ، وأنها ، أي السعادة ، في النهاية ليست إلا قراراً شخصياً. ففي تلك الرحلة للأغوار الخضراء بقيت سعيداً منطلقاً منشرح الصدر: ربما لأني قررت أن أكون سعيداً لحظة ركوبي الباص ، أو لحظة تسجيلي في الرحلة.

قبل بضع سنوات توصلت عالمة النفس (كاروا روثويل) إلى معادلةْ رياضية معقدة مفادها أن (السعادة = س«5ص«3ع) ، حيث(س) تمثل الصفات شخصية ، مثل التفاؤل والطيبة ، والشعور بالقوة ، و(ص) تمثل الصحة والصداقة ، والوضع المالي (عند البعض هو الأهم،) ، ورأي الناس ، و(ع) تمثل تقدير الذات والتوقعات ، والحدس ، والذكاء العاطفي ، وغيرها من طموح واعتزاز.

رغم هوسي وشغفي بالمعادلات الرياضية ودوزنتها ووزنها وفكفكة حدودها ، وحساب مقدار مجاهيلها ، إلا أني لم أكلف ذهني عناء حساب كمية سعادتي ، بل ضحكت ساخراً من هذا التلاعب الحسابي البارد في مشاعر إنسانية ساخنة. فكيف نحشر السعادة في معادلة جامدة كهذه ، ثم نستنبطها من عدة مجاهيل وقيم صماء ، فأنا ما زلت أشعر بأن السعيد لا يوجد لديه وقت ينفقه في حل معادلة ثلاثية ليعرف إن كان سعيداً أم لا.

وعدا أن معادلة الأستاذة (كاروا) أغفلت الأمن والطمأنينة وقوت اليوم ، والفراغ. فهي كذلك تبقى في حالة اتزان ، بصرف النظر عن القيم المتغيرة المعطاة. وهذا ما يجعلني أرى أن السعادة ما هي إلا (كعكة) ، لا يستطيع العالم أجمع أن يعدَّها لك ، إلا إذا دخلت أنت مطبخك ، وطبختها كما تشتهي بيديك: السعادة قرار شخصي قبل كل شيء. نهاركم سعيد،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية