في كل مرة ، لا أدري لماذا نهرب إلى حصون طفولتنا الأولى ، وأحضانها الحانية كلما لاح لنا عيدّ من بعيد؟، ، ولا أدري لماذا تبقى عامرة ومحشرجة في نفوسنا تلك الذكريات الحميمة ، واللمسات الصغيرة عن عيد قديم ما زال يعشش في البال كآخر عصفور؟، ، أهو الحنين إلى عيد لم يأت بعد،، ، عيد نريد أن نرسمه كيفما نشاء وبالون الذي نشتهي ، أو أننا نهرب لأن هذا الواقع بات مكروهاً لا يطاق ، فنهيم نبحث عن صور جديدة ، فلا نجدها إلا في طفولة فرت من بين أصابعنا حين كبرنا سريعاً،.

فيما مضى كنت قبيل عيد الأضحى بايام أتحول راعياً للغنم بامتياز مثير ، فأتزنر شبابتي وأحمل زوادتي بعصاي على كتفي ، وأيمم شطر الوادي ، فمهمتي الاستراتيجية تقتضي أن أسرح بالخاروف الذي اشتراه جدي أضحية للعيد ، وعلى عكس ما أهوى ، تولدت بيني وبين الخاروف صداقة مدهشة ، تبادلنا فيها النطحات وتهارشنا كقطط شبعانة قرب الماء ، وكم كان يفرحني إذ أعتليه كحصان صغير ، وأصهل بدلاً عنه بملء جموحي العتيد،،.

ولا أنسى دموعي في لحظة حين أشفقت عليه وعلى مصيرة المعلوم: فلماذا لا يهرب هذا الأبله ، ألا يدري أنه سيذبحُ صباح العيد؟، ، ولهذا كنت لا أحبُّ أن أراه يذبحُ أمامي ، وأصر بأني لن أكل من لحمه أبداً ، لكني أعود وأغيًّر رأيي عند تتسلل إلي رائحة الشواء، ، وفي كل عام كانت تتكرر معي الحكاية والدموع وذكريات خروف لا يستطيع الهرب،،،.

وللآن لا أدري لًمَ كانوا يسمونه العيد الكبير؟،، ، فهو صغيراً جداً كان بمنظار حبنا ، لا يسامق عيد رمضان ، فالأهل يصرون أن نعيّد بثياب العيد الفائت ، فهي لم تزل بنظرهم جديدة ، لكنّي عالجت الأمر على طريقتي: فكنت لا أنزع عني ملابس عيد رمضان حتى تبلى ، مما يضطر أبي لشراء ثياب عيد جديدة،.

كل عيد لا يفتتح بالقهوة لا يعول عليه، ، هذا عرفنا المحفوظ ، فهو سيكون ضئيلاً بلا رائحتها المهيلة العابقة بريق الفجر: وفي كل عيد تترحم على جدك ومهباشه وقهوته الملتاعة على وهج الجمر ، فأين أعيادنا الجميلة رغم هذه القهوة التي تملأ المكان؟؟،.

في العيد نطرق أبواب البيوت معايدين ، وستفرح كثيراً إن طلت عليك البنت النعومة بشعرها المكبوح كذيل فرس يلوح ، فتعرض عليها أن تؤرجحها قرب النجمة بأرجوحتك المنصوبة بتوتة داركم: كي يظل ذيل الفرس المجنون يلوح وقلبك يلوح،،.

ربما كان الناس أجمل ، يتصافحون بصدق وطفولة ، والقلوب تودّ لو تقفز من قفص الصدر ، تشارك في السلام والعناق ، كانوا يتزاورون ويتناولون إفطارهم معاً: زيتاً وكعك عيد ساخناً: أما الآن ، فرسالة مكرورة من هاتف نقال تغني عن كل ذلك الحنين،،. عيدكم طيب أيها الأصدقاء،،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية