لأن ذاكرتنا قصيرة الأمد باتت معطوبة أو مثقوبة في أحسن أحوالها ، أي ننسى الأحداث القريبة منا قرب العين: فننسى ماذا تعشينا ليلة أمس؟، ، ومن زارنا ثالث أيام العيد ، وننسى أن النائب الفلاني اندغم بمصالحه الشخصية طيلة فترته النيابية. ولكننا في الوقت ذاته نتمتع بذاكرة قوية للأشياء بعيدة الأمد ، فنتذكر أعراس أجدادنا ، وكأننا دبكنا فيها ، وحملنا مناسفها ، وطخينا في فاردتها.

ولأننا كذلك ، أرجو أن أنعش ذاكرتكم قصيرة الأمد بنبش الطريقة الجديدة التي فاجأنا بها المهدد الأخير بالانتحار في شارع وصفي التل قبل العيد بأيام ، حين بادر بالاتصال بوسائل الإعلام ليبلغهم قراره النهائي بوضع حد لحياته ، وكأنه يدعو لحفل عيد ميلاد.

برأيي يحق له ذلك ، بل سنتفاجأ باستخدام الإعلام ووسائله بشكل أكثر فذلكة للوصول للهدف. يحق لهم ذلك ، ما دمنا تعاملنا مع أحداث سابقة بعقلية تعزيزية تشجيعية ، ولهذا استطاب البعض اللعبة وحاولوا تكريسها. فهؤلاء المحاولون للانتحار هدفهم إعلامي وغايتهم لفت النظر ، وتزجية الوقت على حساب مشاعرنا. ونحن تعاملنا معهم بطريقة جعلت الكثيرين يفكرون بخوض غمار هذه التجربة الظريفة.

كان هناك طفل يبتز أمه بطريقة غريبة ، فإذا ما أراد شيئاً ورفضت تلبيته ، فإنه يركض نحو طور (جبل عال) قريب من بيتهم مهدداً برمي نفسه عنه ، وعندما يقترب من الهاوية: فإن عاطفة الأمومة الجياشة تجبرها أن تناديه وتتوسله مستجيبة لابتزازه العنيف،.

ولكن في إحدى المرات كان خال هذا الطفل في زيارتهم ، وبعد أن رفضت الأم تلبية طلب طفلها ، ركض نحو الطور مهددا أمه بأنها ستفقده إن لم تمنحه العشرة قروش ، وعندما همت الأم أن تناديه لتعطيه ما يريد كالعادة ، تدخل الخال وأخرج من جيبه عشرة قروش قائلاً للطفل: هذه العشرة قروش ، ولن تنالها ولا نريدك: فارمً نفسك إذا أردت ، وأرحنا من عطر جواربك،،.

وهنا عاد الطفل بعد فشل خطته العرمرمية في ابتزاز أمه ، التي جرؤت للمرة الأولى ونفحته عشرة صفعات حامية على مؤخرته الرجراجة: تكفيرا عن كل الابتزازات التي صفعها لها في سالف عهده،،. فما رأيكم لو طبقنا ظلال هذه القصة على هؤلاء اللاعبين بأعصابنا؟،.

سيقترح البعض توظيف (فتوات) من أصحاب الراحات الواسعة والثخينة القوية ، كي يقيموا وعلى الهواء مباشرة حفلة صفع صاخبة على مؤخرة كل من يتلاعب بمشاعرنا مهددا بموته. ليس لأن موته لا يهمنا ولا يعنينا ، بل لأننا مجتمع حياة ، وتفان وكد وهمة لا تلين ، ولسنا دعاة موت رخيص.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية