كيف كان لي أن أفسر لطفلي دمعتي الكبيرة حين شدتني سلوى العاص قبل أيام على برنامج يوم جديد بأغنية عصرت قلبي كليمونة ريانة (رفن رفوف الحجل رف وراء رف ، وخيل أصايل لفت صف وراء صف ، يا صويحبي يكفي عتب يكفي ، ويا مهدبات الهدب غنن على وصفي). هل كان علي أن أصف له رفيف طيور الحجل ، حينما تفزعها الأخطار والخطوب. أم أفسر له وقع سنابك الخيل الأصيلة ، لما تتحمحم في الملمات. أم أقول له: إنها تغني على وصفي التل ، رئيس وزرائنا الذي أستشهد بالقاهرة ، حين كنت في بطن أمي.
ولكني وقبل أن أقرأ الدمعة بعينه: كان علي أن أتذكرني طفلاً ، في مثل سنه ، حين ألححتُ على أمي بالسؤال: كي تخبرني عن صاحب الصورة المعلقة في بيت خالها ، ثم ليبقى الإلحاح متواصلاً: كي تكمل بقية المشاهد ، فتصف كيف تحولت قريتنا كفرنجة وعجلون والأردن إلى بيت عزاء كبير حين أستشهد وصفي. وكيف علق الناس رايات سوادء على أسطح بيوتهم لأسابيع طويلة. ثم كيف كانت ترتعش الدمعة في عينها ، حين تصل بصوتها الحزين إلى (يا مهدبات الهدب)،،.
أول أمس غص منتدى جريدة الدستور حتى ترقوته بجمهور جاء ليرى وصفي التل حياً بيننا ، من خلال شهادة عفوية مشحونة بالشجن والمحبة والصدق من رفيقه دولة أحمد اللوزي ، ومن الصحفي العريق عرفات حجازي ، وفي قصائد شاعرنا حيدر محمود التي نشعر أنها لسانُ مهجنا ونبضُ دمنا. أول أمس لم أصدق للحظة واحدة أن وصفي التل ليس بيننا يرانا ونراه،،.
لن أكرر ما يعرفه الجميع من أن وصفي كان رجلَ دولة ، بكل ما يحتويه هذا المصطلح من معان وقيم وظلال ومرام ، ولن أذكر بالإجماع الشعبي على قوميته ومحبته لفلسطين والأردن ، وعلى نظافة يده ، وبعد أفقه ، وبساطته ، وحنكته ، وقوة شخصيته ، لن أكرر هذه المسلمات ، التي يعرفها الأردنيون وغيرهم. لكن لربما أن غالبية الحضور ، لم يعاصروا وصفي ، ولكني شعرت أنه يعرفنا تماما ، كما نعرفه.
ولهذا ، ولأن وصفي حي بيننا بسيرته وفكره ، ولأن الأمم العظيمة لا تحتفي إلا بذكرى مولد عظمائها: أرى أنه من الأنسب بعد هذا العام ، أن يصار إلى الاحتفال بذكرى ميلاد هذا الإنسان الكبير ، فمولده يحشد الجميع حوله وحول نهجه.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية