من باب من لا يستحسن الحسن لا يستقبح القبيح ، سنلمس أن بداية الحكومة تشي بدلالات متفائلة ، قد تكون مبشرة ، ابتداء بتشكيلها بعيداً عن الكلاسيكيات المعهودة في طبخة تشكيل حكوماتنا المتعاقبة ، وليس انتهاء بميثاق الشرف الذي ألزمته الحكومة على نفسها. لكن ما لفتني أن الرئيس الجديد افتتح باكورة زياراته الرسمية بهيئة مكافحة الفساد ، وهذه إشارة دالة أتمنى أن تترجم إلى واقع.

نعلم أنه ليس هناك أطول من نفس الفساد ، ولا أقدر منه على التلون الحربائي والتخفي والتأقلم الحراري السريع مع كل الأجواء ، وليس هناك أقدر من الفاسدين على طول البال والقبض على جمر الصبر ، وتنظيم التنفس وترتيبه ، إذا ما طاردهم المطاردون ، ونسمع بعجب عن الضباع التي كانت تهاجم القرى القديمة ، لتعيث إفسادا ونسمع عن الفزعة الزلزالية التي كانت تدب بدم فيقسمون أغلظ الأيمان أن ينالوا منها ويأتوا بها مجرورة: لتصنع النعال من جلدها الثخين،، ، ثم يهبون كالريح يطاردون الضبع مشمرين عن عنفوانهم ونزقهم: ويقصّون أثر أقدامها على صفحات التراب في طريق هروبها،،.

وكان يصدفُ أن بعضاً من المطاردين يتلبّسهم الخوف ، حتى قبل أن يواجهوا تلك الضبع ، لكنهم ومن باب التجمل يوارون هذا ، لكن آثار الأقدام كانت تقودهم وتضعهم وجهاً لوجه مع الضبع اللائذة بغنيمتها ، فتاجمهم المفاجأة ويسكتهم الخوف ، ولهذا كانوا يلجأون لحيلة التظاهر بعدم رؤيتها ، فيتعامون عنها بكامل القصد، ، بل وإمعاناً بالتغافل: قد يعيدون قصّ الأثر مرة أخرى: علها تولي هاربة من مكانها ، وتريحهم من وعثاء المواجهة،،.

وإذا كانت مطاردة الضباع لا تحتاج لكثير من طول النفس ، بل لكثير من المكابرة على لجم صهيل الخوف ، فإن مكافحة الفساد والمفسدين تحتاج لهذه الخصائص مجتمعة ، ولهذا لا نريد لمن يلاحقون ضباع الفساد الموغلة بحظائرنا أن يدب فيهم الخوف ، أو أن يصابوا بالتعامي والتغافل والتحايل على المحسوس والملموس ، أو أن يعمدوا إلى قص الأثر ، مرة إثر مرة ، علَّ الفاسدين يهربون بما غنموا: فيريحنا من مطاردة صعبة ، ولا نريد لرجالنا أن يتحججوا بقصر النظر أو عدم وضوح الرؤية ، فالحقيقة شمس تموزية،،.

تحية لكل من يقف سدا منيعا في وجه سيل المفسدين ، وتحية لمن لا تأخذه لومة لائم في التأشير تأشيرا واضحا وفاضحا إلى ضباع الفساد أينما كانوا ، حتى لو كانوا كبارا ، أو ممن نعتقدهم كذلك (لأن الكبير لا يكون ضبعا على أهله،). وتحية كبرى لكل من يقص أثر فسادهم ، ويتتبع خيط هروبهم ببسالة وبرباط جأش يقضي على خطرهم.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية