كان لدينا طقس غريب عجيب في طفولتنا المشاغبة ، فالعصفور الذي كان يموت أو يتماوت في قبضات أيادينا ، بعد أن نقطفه طازجا من عشه أو من فخ لم تقتله ، كنا نفتح فمه على عجل ، ونمنحه بعضاً من ريق أفواهنا: معتقدين أنه بهذا يعود إلى بؤرة الحياة. وكثيراً ما كانت تنجح معالجتنا البدائية: فيعود العصفور للحركة وقد يفر طائرا ، ليس لأننا بثثنا فيه من روح لعابنا ، بل لأنه تخلص من قبضاتنا الضاغطة التي كانت تكبله،.
فالعصفور روحه في السماء ، ولهذا فإذا ما قبضت على عصفور في قبضة يدك: ستشعر أنه كتلة من دم حار ملتهب ، إنك لن تحس بكل نبضة من نبضات قلبه فحسب،، ، بل إن العصفور سيكون تماماً كقلب العاشق ، ساخناً نابضاً بسرعة لا تدركها قبضة يدك،،.
تدعي إحدى النظريات علمية الحديثة أن عمر الكائن الحي يتناسب عكساً مع عدد ضربات قلبه ، فكلما كان عدد الضربات كبيراً: كان العمر قصيراً،، ، فقلب الفأر ينبض (700) نبضة في الدقيقة ، والفيل (25) نبضة والإنسان (80) نبضة ، أما العصفور فينبض قلبه الصغير (100) نبضة ، وحسب النظرية السالفة ، فإن أقصر الأعمار هو عمر العصفور،،،.
بعيداً عن القلوب الكبيرة وظلالها وأثاثها ، لا تروق لي نظرية عدد ضربات القلب ، ولكني أخمن أن العصافير قصيرة العمر ، ليس لأن قلوبها تدق كثيراً ، ولكن لأن العصافير تحب كثيراً ، وتعشق أكثر ، وتطير أبعد ، وتحلم أكثر وأعمق ، وتحلق أعلى ، وتمخر عباب السماء بخفة أعذب،،،.
فلو كانت نظرية عدد الضربات دقيقة: لما انقرض الديناصور، ، الذي لم يك ينبض قلبه إلا بضع مرات في الدقيقة ، لكن الديناصور انقرض بسبب نقص حاد في الحب،، ، فيما ظل العصفور عصيّاً على الانقراض وظل توأم التحليق،،،.
وربما للسبب نفسه ، فإن أعمار العشاق والعاشقين قصيرة نزيرة وقليلة ، فيجوز أن قلوبهم قد نبضت كثيراً ، ودقت سريعاً من فرط العشق والهيام ، ولهذا تعبت وهمدت ، فأرخت أحلامها وماتت سريعاً ، تماماً كالعصافير،. فهل سمعتم عن عاشق حقيقي صادق عمّر عمراً طويلاً؟،.
لا أريد لدعاة العشق أن يعمروا طويلاً ، ولا أريد للعشاق الحقيقيين أن تقصر أعمارهم كعصفور علاشق ، ولا أريد لأحد أن يعد علينا خفقات مهجنا في حبنا لبلدنا وناسنا ، بل كل ما نحتاجه أن يتركوا عصافير قلوبنا تطير بحرية: فلدينا فائض في الحب. فقط ابعدوا قبضاتكم عنا،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية