ربما لا يكفي أن نعد العدة لأطفالنا: كي يبددوا عطلتهم الشتوية بمرح ، بل من الأجدى أن نعيش طفولة أطفالنا ، أن نعيشها ونكبر معهم من جديد. فمن قال إن كل الآباء قد أكملوا نصاب طفولتهم؟، ، أو اجتازوا كل متطلبات تخرجهم من أجمل مساحات الحياة؟، ، ثم من قال أننا شفينا من التسمم الحنيني لطفولة ما زالت طازجة فينا؟،. من قال إن الطفولة في الإنسان تكبر ، أو تعترف بسقف للعمر؟،.
وكمتطلب إجباري لدخول العطلة الشتوية التي ستبدأ هذا اليوم ، طلب مني الأولاد أن أشتري لهم كمية كبيرة من القلول (كرات زجاجية ملونة) ، وتسمى البنانير أو الدواحل ، فوافقت دون تردد ، متواطئاً مع هذه الصدفة السانحة ، فقد كهربني الحنين للقلول ، فاستعدت خرخشاتها الثقيلة في جيوب سراويلنا الساحلة ، أو في فردة جورب قديم ، حين كنا نجتمع في عري المطر. وللآن ، لا أعرف لماذا كانت هذه اللعبة لا تحلو إلا في مربعانية الشتاء ، ولا أعرف لماذا تنتقل من الآباء للأبناء بعدوى أجهل سرها؟،.
كنا لا نركن إلى دفء البيوت ، فالبرد لا يحجبنا عن الحارات والأزقة والأصدقاء ، نلتقي على صوت جرس خفي يجرنا من آذاننا الباردة ، وكل في جيبه ثروته الحقيقية (القلول) ، فقد كان عددها المقياس الحقيقي للثروة والتباهي ، كنا نهرب من البيوت ، رغم وعيد الأمهات بصفعات ستليق بجلودنا المزرقة برداً: إن عدنا متسخين ، ولكننا لا نتذكر العقوبة الساخنة: إلا حين نعود موحلين بالطين ، ولكننا ملتهبون كجمرة ملول من فرط سعادتنا ، لا نبالي بشاحنة صفعات،.
وإذا كان أصدقاء الطفولة ، يجتمعون في كل صيف حول حفل شواء ، وحفنة ذكريات مضحكة ، ففي رأسي موال أود أن أرندحه في هذا الشتاء ، موال لن يوافقني عليه بعض منهم بحجة الوقار ، ولكني واثق أن كثيراً منهم سيأتون على صوت جرس خفي يجرهم من آذانهم الباردة ، وجيوبهم عامرة بالقلول لنقيم لعبتنا الاثيرة.
في نهاية اللعبة ، سنعرف من ربح ومن مطت فردة جوربه للأسفل من ثقل أرباحه ، وسنكشف من كان يغش أو يسرق الآخرين ، حين ينحنون لنقف (القل). سنعدد خساراتنا الكبيرة ، ومرابحنا الصغيرة ، سنحسب كم أخذتنا الحياة ، وإلى أين باعدت بيننا المدن ، وكيف فرقتنا المشاغل؟،.
أيها الأصدقاء. سنعي أن الربح الكبير ، أننا ما زلنا على قيد الحب،. نعيش طفولتنا وطفولة أبنائنا ، ولو شابت منا الذوائب ، هذا إن ظلت هناك ذوائب،. المهم أن يبقى الطفل في داخلنا حياً. فكم يخسر من مات طفله الذي بداخله،،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية