عندما كان الولد يدخل لاهثاً من شدة العطش ، بعد جولة شيطنة طويلة الأمد في الحارات ، فيكرع زجاجة الكاز المخصصة لقنديل الضوء ، على نفس واحد ، قبل أن يكتشف طعمها ، فينادي أمه ، التي تبادره بصفعتين ، ثم تقدم له كمية كبيرة من الحليب ، الذي يحبه ، قبل أن تطلق سراحه من جديد.
وإذا كان أمر الكاز سيأخذ بعضاً من الوقت للعقاب والعلاج: فإن ابتلاع النقود المعدنية من أيادي الأخوة ، من فئة القروش ، أو القرطة (القرشين ونصف. هل ما زال هناك قرطات؟،) ، أو الشلن (خمسة قروش) ، وحتى البرايز (العشرة قروش) ، لم يكن يعني الكثير للأهل. فما على الولد البالع إلا الانتظار والتربص ، والإبلاغ عن النتيجة حال تلقيها ، في خلوته الاقتصادية.
أما إذا كان الشيء المبلوع دبوساً: فهنا ينتاب الأسرة بعض الذعر. فالأم لا تخاف أن تتهتك أمعاء الولد ، أو تثقب معدته ، وينزف قولونه العزيز فحسب ، بل تخاف على خسارة دبوسها الذهبي ، إذا ما قرر الاستقرار ، في بطن هذا الوحش الكاسر ، شارب الكاز ، ومبدد الحليب ، وبالع البرايز والقرطات وما شابهها،.
الأب المجرب سيخفف من فداحة الأمر. وسيجبر الولد على أكل كمية لا بأس بها من القطن ، كي يلحق هذا القطن الطري بالدبوس المبلوع القاسي ، ويلفه لفا محكماً: كي يضمن خروجه ، دون إحداث أضرار وجروح في بطن الولد.
ربما كف الأولاد عن شرب الكاز ، على سبيل الغفلة في عطشهم ، أو على سبيل الحيلة لنيل الحليب ، ولم يعد هناك أولاد يبلعون البرايز والقروش من أيادي أخوانهم وجيرانهم ، ثم ينتظرونها بكثير من التعصّر في خلواتهم ، فهذه الفئات أصبحت بلا قيمة.
ولربما تلاشت كل هذه الصور الكاريكاتيرية المنسوجة من وحي الخيال ، وحلت بدلاً منها صور حقيقية لعفاريت ، من لحم ودم ، ليست قادرة على شرب كاز قناديلنا ، أو بلع ضوء طريقنا ، أو كرع حليبنا الوافر الدسم ، أو بلع كل العملات الورقية بفئاتها العليا من دينارها لدولارها فحسب ، بل عفاريت قادرة على بلع الذهب ، وكل المعدن ، حتى لو كانت على شكل دبابيس حادة ، أو حراب مسنونة.
المحزن بحق ، أن هذه العفاريت بالعة الذهب والفضة والقاصات والتنفيعات والتسهيلات ، لن يخرج منها شيء سالماً ، حتى لو أجبرناها على أكل أطنان القطن ، لأن كل شيء مبلوع ، حتى الدبابيس الذهبية ، يتحول بحنكة عفريتية ، إلى أرصدة خارجية ، وسيارات فارهة ، وتماثيل عاجية في قصور عاتية. فما أجمل الخيال ، وما أقبح الواقع،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية