بعد أسبوع من زلزال هاييتي المدمر ، الذي جعل الأرض غير الأرض ، وأحالها خراباً تجتاحها روائح الموت وعلاماته ، ما زلت أتربص على أخبار الفضائيات إرادة الحياة وقوتها وعنفوانها ، ولا أتمالك نفسي أن أصفق كطفل مع المنقذين الذين يبتهجون كلما أخرجوا إنساناً طمره الركام ، طيلة هذه الأيام الثقيلة. فالحياة ستبقى دوماً أقوى من براثن الموت ومخالبه ، حتى لو جاء مدججا بكل قواتها بصورة زلازل أو فيضان.
وإذا كانت ستدهشني تلك الشابة الكندية ، التي طمرها دمار الزلزال في العاصمة الهاييتية ، فبعثت رسالة خلوية تطلب النجدة من أهلها البعيدين آلاف الكيلومترات ، لتهب دولتها بلمح البرق وتسحبها من قبرها الحتمي ، ولا أعرف هل سحبت بمعيتها زملاء القبر المحتملين؟،. هذه الدهشة ستتضاعف كما تتضاعف قوة الزلزال على مقياس رختر ، حينما نرى هذا التقاعس العالمي تجاه الكوارث التي تصيب بني البشر: فلماذا يترك وحدهم فقراء الأرض ، يعانون موتهم المفجع وبلاويهم العتيدة،.
وليسامحني الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز ، الذي رأى أن الولايات المتحدة الأمريكية ما هبت ولا تجيشت لنجدة هاييتي المنكوبة إلا لاحتلالها (على إيش يا حسرة،،). ولا أعلم هل سيطالبنا شافيز أن نخرج بمظاهرة عاجلة لشجب تدخلها الإنساني السريع. أم أن الأمر بحاجة لوقفة تأمل حقيقية؟،. أم أن معرفتنا السابقة بأمريكا ، وأنها لا تبول على إصبع مجروحة ، إذا علمت أن بولها دواء ، هي التي تخلق هذا التصور؟، ، أم أنها تغيرت بالفعل؟،.
ثم ، لماذا لم يشجب شافيز تقاعس أوروبا وتراخيها عن مد يد العون كما ينبفي ، والصين وبرودة أعصابها ، أو اليابان الغنية بخبراتها في مجال الانقاظ ، وسائر الدول الغنية التي تضع مشاعرها في ثلاجة ، ولا تهب لنجدة هؤلاء الفقراء المعدمين ، الذين تجتاحهم المصائب. لماذا لا نرى وقوفاً إنسانياً سريع التدخل يتناسب مع عظم هذه الزلازل؟،.
قد يكون صحيحا أن عالمنا أو كوكبنا بات قرية صغيرة أو حارة من حارات أيام زمان ، بفعل ثورة الاتصالات العظيمة ، فتلاشت الحدود الجغرافية والمكانية بين البلدان ، ولكن الأكيد أكثر والصحيح أكثر أن الإنسان تغير ، وتغيرت مشاعره ، ولم يعد ذلك الكائن الذي تدفعه فطرته: ليهب لنجدة بني جنسه ، ضد كوارثنا الكونية،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية