من باب التأدب ، لا نقول للأعور أعور بعينه ، بل نكني عن ذلك بقولنا: فلان عينه كريمة،. ومن باب التفاؤل نسمي المولود الجديد: عريساً أو عروساً ، على اعتبار ما سيكون عليه ، إن أعطاه ربه عمراً. ومن باب التنفير وخوف الحسد ، كان البعض يسمي أبناءه أسماء مقززة مثيرة لتسونامي الضحك. ومن باب السخرية الموجعة ، كان الأردنيون يكنون عن اختلاس الأموال وشفطها بقولهم: فلان اشترى بقدونس.
أصل هذه الكناية الخضراء يعود إلى الماضي ، فقد كانت يد واحد من المسؤولين عن خزنة إحدى المؤسسات (نظيفة شوي) ، رغم استخدامه أرق أنواع الصابون ، وعندما وصلت أخبار نظافته ، وشفافته المالية إلى الجهات المختصة ، أرسلت لجنة تحقيق كالعادة،،.
الرجل النظيف جداً كان له ظهر قوي جداً جداً ، علم بأمر اللجنة ، فاستعد للأمر وفبرك الأشياء ، وأخذ يرتب حساباته ، ويجد لكل فلس (زلطه) مخرجاً قانونياً على أرض الورق ، وبما أن الوقت أدركه ، وبقي مبلغ ألف دينار ، لم يجد لها باباً واضحاً يدرجها تحته ، فطن في اللحظة الحرجة إلى إدراجه تحت بند: أثمان بقدونس،.
عندما دهمت اللجنة الرجل: وجدت دفاتره نظيفة ، كل شيء فيها واضح ، لكن عين اللجنة التي تشبه عين الصياد ، وقعت على أثمان البقدونس الباهظة ، التي بدت وكأنها مشتراة من الطرف البعيد لمجرة درب التبانة ، فانكشفت لعبة الرجل الأخضر ، ومن يومها صرنا نكني عن كل مختلس شاطر: بأنه يشتري بقدونس،.
لا أريد أن أسال عن حجم البقدونس المحصود من حاكورة الزراعة ، لكن على ما يبدو أنها ستكفي لتحضير صحن تبولة بحجم ملعب كرة قدم ، وهذه فرصة لدخول موسوعة غينيس ، من أوسع الأبواب. لكن يجب الانتباه إلى أن البقدونس ، نبات (ملعون حرسي) ينمو ويشمخ في أماكن جافة ، وأخرى صحراوية ، لا ماء فيها ولا حواكير. نريد عيناً صيادة.
أعرف أن البقدونس على أرض الواقع عدو لدود للأرانب ، يفتك بها وبذريتها بغمضة عين ، إذا ما أكلت منه ، لكن على أرض الورق ، وفي عالم الكنايات والمجازات ، فالأرانب الحقيقية لأصحاب الأيادي النظيفة لا تترعرع في البنوك إلا على البقدونس. ما أخطرك،.
وإذا كان درب الراتب واحد ، ودروب السرقة ميه،، ، كما يقول شاعرنا الجميل عرار ، فإن البقدونس غاب ذكره من جدول فنون الاختلاس ، وحلت مكانه عشرات الأبواب الملتوية والمواربة والوهمية ، التي يمكن أن تستغل لرعرعة الأرنب،،. لكن ابحثوا عن البقدونس.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية