الشريط الرهيب الذي بثته الجزيرة عن طائرة أباتشي حصدت بدم بارد دزينة من العراقيين قبل ثلاث سنوات في بغداد الجديدة ، ملأني حزناً وغيظا وحنقاً ، لكنه لم يوقعني بالدهشة أو المفاجأة ، ولم يكسر أفق توقعي ، فكل شيء في دائرة الممكن والمتوقع لمن جاؤوا من وراء الأطلسي ليفتكوا ببلد النخيل ويشردوا أهله في جهات الأرض الستة ، ويجعلوا من التفجيرات والدماء والويلات خبراً عادياً لا يستوجب صفة العاجل على شاشة الفضائيات.
لكن الدهشة الكبرى ، أو الصدمة الأكبر ، التي ما تزال تتلبسني منذ سبع سنوات ، وتتجدد كأنها بنت الساعة في نفسي في كل سابع نيسان يمر ، حيث سقطت بغداد سقوطا أربكنا وأوجعنا ، وكسر أفق توقعنا وخذلنا في أنفسنا ، وفي كل عام أضرب رأسي بجدار ، كما ضربته في ذلك اليوم الفظيع: علني كنت أحلم فاصحو ، فكيف لمدينة لها جذر في الماء والكبرياء ، أن تسلم نفسها تسليم الضبيحة لبضعة دبابات اجتاحت ساحة الفردوس: ياااااه كم أبكاني ويبكيني ذلك المشهد المريع.
ورغم أنني أكتب مقالي على خبر تفجيرات تهز بغداد ، إلا أن ذكرى السابع من ذلك النيسان تمرُّ علينا أكثر فجيعة ودهشة وعدم تصديق: ولهذا كنا وما زلنا نخاف أن نتحسس رؤوسنا وأقدامنا ، فثمة تبديل مقصود لأشيائنا الواضحة كالقمر أو كالقهر: أحقاً كان علينا ، أن نبكي بعينْ دمعاً ساخناً ، وبالعين الأخرى دمعاً بارداً: لتذبل العينان معاً ، فنصير نصفين: نصف أعمى ، ونصف ليس بصيراً كي نستطيع أن نصدق الأمر؟،.
أهكذا تجري الأشياء غير المعقولة دوماً؟؟ ، فكيف سرقوا أحلامنا الحرة من مهدها وصرنا بيادق شطرنج للاعب مجنون؟،، ، وكيف سحقوا نجومنا في ذلك النهار النيساني البائس؟،. أين الملايين ، وأين سنوات الكلام العالي؟،،. وأين الموت الشريف المشرف؟، ، وأين الأفعى التي لم تتقطّع؟، ، فكيف قاومت أم قصر وخمدت بغداد؟،.
ومع هذا ، فإذا كان لا يليق ببغداد ، المدينة الطاعنة بالتاريخ ، إذا كان لها ألا تسقط ذلك السقوط ، فيليق بها أن تنهض من رمادها وحرائقها ودمائها ، وتعود منيعةً لا تأكل أولادها كالقطط ، وإن جاعت،، ، وسنقول لكل الواهمين: أين الحرية الآتية من أقصى الماء الأطلسي؟، ، وأين أضواؤها المنبعثة من تمثال سيدة العالم الجديد ، وهل أصبح حال العراق أفضل؟،.
ويبقى أن يعلم العراقيون ، أنهم وحدهم القادرون على قلع شوك أيديهم ، وحقن دمائهم وبلسمة جراحهم الفاغرة ، وسيعلمون أنهم وحدهم سيعيدون هذه الأرض سالمة ، يضحك فيها دجلة ويبسم على موالها الفرات: الله بالخير يا بغداد،،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية