الصبي الذي اغتنم الضوء الأحمر ، وباغتني على شباك سيارتي ، عارضاً علي صندوق فراولة شهية لذة للناظرين ، فرغم قناعتي بأن الشراء من باعة الإشارات الضوئية ينطوي على مخاطر صحية: إلا أنني هممت بدفع الثمن ، لولا أن رأيت في اللحظة الأخيرة يدي الصبي حمراوين بالكامل ، وكأنهما مغموستان بدم (حرذون) ، فاحجمت عن الشراء بحجة الإشارة الخضراء.
قبل شهر سمعت عن فن جديد للغش امتد للفراولة ، هذه الفاكهة الرشيقة ، أو فاكهة الرشاقة كما يسمونها ، فالظاهر أن كل شيء يغدو متاحا وحلالاً ، من وجه نظر الجشع ، إذا توقف الأمر على الربح السريع ، ولهذا تفتقت العبقرية اللصوصية ، وجادت علينا بفنون يعجز عنها الشيطان ، ولهذا لا أستغرب غمس الفرولة في صبغة حمراء ، لكني أضحك من سذاجة ذلك الصبي ، الذي أبقى أثر الجريمة ماثلاً في يديه: هبيله،،.
قبل سنتين امتدت يد الغش إلى الرمان المباع على أوتستراد عمان إربد ، فطلي بدهان الأثاث اللامع (الكماليكا): كي يبدو مثيرا وشهيا ومغرياً ، ولا يسلم التين من التزييت: كي يسرع نضجه الملفق ، ولا زيت الزيتون من الخلط بزيت رخيص ، ولا تستغربوا تعرض حبات البرتقال في بعض محلات العصير إلى وابل من الحقن الطبية المملؤة بالماء: لتزيد من عطائها العصير: ما أذكى اللصوص،،.
أيام زمان وحين كانت العصا يدا ثالثة للمعلم ، تفتقت عقلية بعض الأولاد المشاغبين إلى حيلة للتخفيف من وطأة العصي وقبلاتها على أياديهم ، فقد كانت تسود أسطورة تدعي أن دم الحرذون (كائن زاحف يشبه التمساح سريع الحركة مراوغ وحذر) ، هذا الدم الأحمر إذا ما طليت به راحات الأيدي: تصبح ثخينة وخشنة ، وتتخدر وتفقد إحساسها المطلق بالألم والوخز ، ولهذا كانت دماء الحراذين ملاذا عظيماً وطلاء مفيداً للتخفيف من سطوة عصي الرمان اللاذعة من لدن المعلمين،،.
لربما انقرض ضرب المدارس ، كم انقرضت الطيبة والأمانة من بعض النفوس ، وسيقول قائل إن الحراذين انقرضت في هذه الأيام ، بعدما صارت دماؤها دهاناً وصبغة تتعاطاه ضمائر من باتوا لا يآبهون بغير مصالحهم وأرباحهم،.
لكن سيبقى أن باعة الرمان والتين والفراولة ومن شابههم ، كلهم لصوص صغار ساذجون ، لديهم ضمير ولهذا يحاولون تخديره وتثخينه بدم الحراذين ، أو بأصباغ أخرى وبحيل مبتكرة ، أما اللصوص الكبار ، فلا يحتاجون إلى طلاء أو حقن أو خلط ، فما الحاجة لطلاء شيء مستأصل: وسلامتكم،،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية