لم تعد عمليات التجميل ترفاً مقصوراً على الأغنياء ، فأنصاف الفقراء صاروا يلهثون وراء هذه الهبة الجراحية الجديدة ، للتحسين من أشكالهم ، أو التخلص من عيوب خَلقية رافقتهم طويلاً ، فصاحب الأنف الطويل الذي عانى كثيراً من ثقله وبشاعته ، سيكون متاحا له أن يصغر من أنفه ويقف طويلاً أمام المرآة متمعنا شكله الجديد،،.

وإذا لم أستطع أن أتخيل حال العالم فيما لو سمحت عمليات الاستنساخ البشري وشاعت ، فمن الواضح أن الواحد منا سيكون عاجزاً تماما عن التعرف إلى هذا الكم الهائل من التشابه في الأشكال والصور ، لكني أخال الناس سيقولون في ظل التقدم بعمليات التجميل الجراحية: نعم ، فمشرط الجراح قد يصلح ما أفسده الدهر،،،.

وككل المظاهر الجديدة تحولت عمليات التجميل إلى موضة أو صرعة ، ولم تعد حاجة ملحة يلجأ إليها من هم بحاجتها فعلاً ، بل أنه ومع استفحال الفضائيات وانفتاح العالم ، غدت هذه العمليات تُجرى على الكتالوج ، وصار لها انموذج أو (ستاندر) ، يسير عليه الراغبون في صور أجمل لأشكالهم،،.

وعمليات التجميل لم تقتصر على تصغير الأنوف ، بل شاعت في تكبير الصدور وتدويرها أو تصغيرها ، وفي تغليظ الشفتين والوجنتين ، ورفع الحواجب ، وشد الجلد المترهل ، وشفط الدهون ، وإزالة كروش الكسل الثقيلة ، وتكوير المؤخرات بما يتلأم مع المواصفات الدولية ، وتنحيل الخصور ، وزرع الشعر ، وغيرها من الصرعات ، التي أخذت تستشري في العالم كالحمى،،.

العالم العربي ينفق الكثير الكثير على هذه العمليات ، ولكنه بأمس الحاجة لعمليات تجميل وترميم من نوع آخر ، فالديمقراطية المصابة بحالة شبة دائمة من التقزم ، بحاجة إلى ضخها بكميات كبيرة من هرمونات النمو ، وبحاجة إلى تكبير شفتيها ونهديها ، وبحاجة إلى عمليات لشد جلها المترهل المتغضن ، وبحاجة إلى إزالة كميات كبيرة من الدهون المركومة في كرشها الكبير المفلطح ، والذي يعيق تحركها،،.

والحرية أيضا صار لزاماً أن يتدخل مبضع الجراحة لتحسين أنفها الممطوط ، وزراعة الشعر في قرعتها ، تكبير أردافها وتصغير صدرها المتدلي ، وبحاجة إلى عمليات رفع لحاجبيها ، وزراعة أسنان من البورسلان ، بدل أسنان البولسترين التي تملأ فمها،،.

وفي ظل عمليات التجميل أرجو من الذين تشفط منهم الدهون والشحوم ، من أصحاب الكروش الكبيرة والجزيلة ، ألا يفرطوا بدهونهم وشحومهم هكذا هباء منثورا ، بل يتكرمون في ضخها إلى أجساد إخوانهم الذين صاروا أعواداً هزيلة من فرط الفقر والجوع،،.

الاقتراح الآخر لشعوبنا العربية ألا تقبل بترميم ديمقراطياتها أو حرياتها ، وألا تسمح لعمليات التجميل بالتدخل بذلك ، لسبب بسيط هو أن الدميم يبقى دميما ، ولو خاض عشرات العمليات ، وأن العطار لا يزيد قبح القبيح الا قبحاً،،،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية