نغيب طويلاً وتأخذنا الدنيا من ياقات قمصاننا ، أو تسوقنا كقطعان الريح في جهات الشتات. نغيب مذهولين مشغولين ، ولكننا حين نلتقي ، فكأننا لم نبعد إلا قدر قبلة أو قبلتين ، فنحن نحفظ روائحنا ، وهمساتنا ، ولغة عيوننا ، ولهذا نكمل خيط الضحكة الذي نظمناه أول السهرة ، أو نستعيد هدير الضحكة التي مر على انفجارها بضع سنين أو أكثر،.

فكم أنا كثير بصديق يعرف أغنية قلبي ، يحفظها (كرجة مي) ، حتى حين أنسى كلماتها ، أو أكسر بعض لحنها ، أسمعه يدندنها ويعيدها علي ، وحينها أهمس: شكراً أيتها الصداقة الحقيقية: فلولاك لكنت وحيداً ، مثل ظل عمود في شارع سريع ، لولاك لما استطعت أن أضاعف نفسي ، أو أحيا في نفوس الآخرين.

لدي ألف صديق ، وأكثر قليلاً ، وهذا العدد قليل في نظري ، ليس لأنك بحاجة إلى غربال بعيون ضيقة: لتغربل وتنقي ما أعتقدت ذات وهم ، أو ذات رخاء أنهم أصدقاء لك ، ولا لأنك كنت ذات جهل ، وذات قلة خبرة ، لا تفرق بين المعارف وبين الأصدقاء ، ولا لأنك ما زلت مقتنعاً أن الصداقة لا تتجمد في الشتاء ، ولا تتبخر بلهيب شمس ، ولا تسقط مع ورقة خريف ذابلة ، بل لأنك واثق أن ألف صديق في هذا الزمن الضيق لا يكفي ، وأن عدواً واحداً يعد كثيراً.

سيجركم كلامي إلى العنقاء والغول وكل المستحيلات التي قرنها أجدادنا بالخل الوفي ، وستهزون رؤوسكم سخرية: أيها الولد الحالم ، الغشيم ، المجنون ، أما زال هناك أصدقاء ، في زمن بات الواحد فينا يفقد صداقته لنفسه. وستتذكرون أن كاتب الفلاسفة وفيلسوف الكتاب أبو حيان التوحيدي ، والذي جرب الدنيا والناس ، أنه ألف كتاباً هاماً في الصداقة والصديق ، وبدأه بقوله المر: اعلم أنه لا صديق: إلا نفسك،،.

أمس ، وصل عدد أصدقائي في (الفيس بك) على الانترنت ، إلى الألف صديق ، وهذا العدد الضخم لم يبهجني ، ليس تقليلاً من شأنهم فلهم محبتي وتقديري ، بل لأنه فجر في نفسي السؤال: هل جاء (الفيس بوك) تعويضا عن خسارة ما. إي أن من لم يصنع صداقاته في مطبخ الواقع ، يجترحها في عالم وهمي قد يتبدد في غمضة عين؟؟،.

ومع كل الكلام المخبوء بين السطور ، فأنا ما زلت محظوظاً جداً: لأني ما زلت أمتلك أصدقاء ، لم ينفذوا من عين الغربال ، أصدقاء يحفظون أغنية قلبي ، وأحفظ أغاني قلوبهم ، وحين تضيق بي الدنيا ، أو تهمزني بأنيابها ، أو تخطف مني عزيزاً ، أسند رأسي على كتف أحدهم: وأجهش في بكاء مريح.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور