د. محمد سالم إنجيه.

 
" وكيف يلتئم نظام السوق والأسرة؟ السوق يأنف من المجانية ومن الإحسان، والأسرة عالم المجانية والتضامن".
حسن أوريد : مرآة الغرب المنكسرة ص105.
 
لم يسبق في التاريخ أن استهدفت الأسرة بمختلف الأساليب والطرق من قبل نظام السوق كما هو الحال الآن؛ ذلك أن الإعلان عن السلع والمنتجات صار علما ـ يكاد يكون مستقلا ـ يستعين بنتائج علوم النفس والاجتماع والتاريخ وغيرها، ويوظف كل الوسائل المغرية، ويستخدم الصورة على نحو يخترق أعماق الإنسان، ويقنعه بجدوى الإقبال على العروض المقدمة.
وحرب الدعاية والإعلان باستخدام الصورة بلغت أوجها مع التطور التقني المعاصر الذي أذن بتجاوز الحواجز النفسية، والضوابط الأخلاقية، وعبر الحدود الجغرافية، بل اخترق كل الخصوصيات، واقتحم ما بقي من قوالب وحصون اجتماعية وعلى رأسها الأسرة.
 
طبعا هذا الإنجاز من قبل أداة نظام السوق الرئيسية سعى ـ أو أريد له أن يسعى ـ إلى سلخ الإنسان من أخص خصوصياته، والعمل على استلابه، وجعله يلهث باستمرار وراء ما يعرض عليه دون تردد، والاستجابة لداعي الاستهلاك ولا شيء غير الاستهلاك؛ يده على ما يحتاجه، وعينه مشدودة إلى ما لا يحتاجه؛ ومن أخطر صور الاستلاب الإقناع بتعدد الحاجات وتجددها.
والقائمون على نظام السوق هم أنفسهم مستلبون، تلمع النقود في أيديهم وتتضخم في حساباتهم فلا يزدادون إلا انقيادا لها، تغريهم بالتفنن في طرق تنميتها وجمعها بلا حدود، وابتكار أشكال توظيفها مهما كانت؛ الغاية والوسيلة عندهم واحد، لا ضوابط، لا قيود ولا روادع؛ المهم هم التحصيل والتوظيف من أجل التحصيل وهكذا...
 
وتحت ظلال سيوف حركة نظام السوق تبدو الأسرة عاجزة عن الفعل، بل هي أسيرة ما سطر لها، وحبيسة النهج الذي رسم لها، لا تكاد تحيد عنه قيد أنملة؛ فقدت الموجه، وعمتها الفوضى، وداخلتها الأنانية، وبدل أن تقوم برسالتها في التربية والتوجيه والإعداد؛ لم تبق لها سلطة على عناصرها، ولا اعتبار من أفرادها.
 
إنه عصر نظام السوق الذي يأنف من المجانية والإحسان، عصر تتراجع فيه قيم العطاء والتضامن، وتتعدد فيه مظاهر التبخيس لأهمية رابطة الأسرة، والتقليل من شأنها حتى لكأنها مجرد عش سرعان ما تطير عصافيره كل إلى وجهته، أو لكأنما هي محطة قطار الرابط بين روادها صفة المسافر الذي لا يكاد يحط الرحال حتى يشرع في استئناف سفره...
 
في ظل هذا الوضع تتجدد مسؤولية أولي النهى والخيرين في المجتمع؛ وعلى عواتقهم تقع مهمة رد الاعتبار للأسرة بوصفها مؤسسة العطاء والإحسان والتضامن؛ ترشيدا لمسارها، وفكا لقيود أسرها، وانتشالا لها من أزماتها التي عمت وطمت؛ وعلى رأسها تبعيتها غير المشروطة لمنهج الاستهلاك؛ حتى أضحت العلاقات بين أفرادها تقوم على المقابل المادي الصرف، فانحسرت خاصية البذل والعطاء التي تميزها، وصار كل تصرف لأفرادها مرتبا على سلوك مادي يقابله.
 
وهكذا انتقلت أخلاق السوق إلى عمق الأسرة؛ فأصابت نقاط قوتها؛ فظهرت حالات شراء المودة بين الزوجين بالتعويض المادي، وبرزت صور من محاسبة الأبناء للآباء ومطالبتهم بما لا يطيقون، وقد تسمع أو تجد من يبيع بره لوالديه، فضلا عن عطية الآباء لأبنائهم على قدر ولائهم، أما البر بكبار السن فيكترى له من يقوم به غير المعني به؛ إنه وضع تغيب فيه المعاني والقيم.
 
نعم إنه التحدي السافر لأس الأسرة؛ فكيف نواجه هذا السعي للإجهاز على قيمها الأصيلة المتمثلة في المودة والرحمة والسكن، والرعاية والتضامن والوفاء، والإخلاص والقيام بالواجبات، وأداء الحقوق...؟

المراجع

موسوعه المستشار

التصانيف

الحياة