عينة الدراسة ومعايير الاختيار:-
إذا كانت الدراسة قد حددت لنفسها نقطة محددة الأبعاد في المسرح التسجيلي - لما ذُكر قبلاً من أسباب - فإن مقتضى البحث العلمي يوجب على البحث أن يحدد بدقة مبنية على معايير واضحة؛ المادة التي من خلالها ستتم معالجة الموضوع؛ من خلال ثلاث نقاط كالآتي:
(أ) – المؤلف وتاريخه الفني
يُعد حسن مرعي، من الشخصيات المغمورة تاريخياً في هذا المجال - وهذا شأن البدايات - حيث لا يوجد في الدراسات الحديثة – على قدر اطلاعي - ترجمة وافية تناولت حسن مرعي، ولا يوجد أيضاً من كتب عنه أو عن مسرحياته، كما ذكرت الدراسة من قبل. وما استطاعت الدراسة الحصول عليه عن حسن مرعي، هو بعض الأخبار التي نُشرت في الدوريات القديمة، يُمكن من خلالها أن يُحدد – على وجه التقريب - إبداعه المسرحي، ونشاطه الفني، مع بعض ملامح من شخصيته، وهو أمر مهم بالنسبة للبحث لاختبار سبق الريادة في المجال، وكذلك لتحديد آثار الشخصية في العمل الإبداعي.
والأخبار التي بين يدي الدراسة تقول: إن حسن مرعي وُلد عام 1880 تقريباً، حيث كان ممثلاً شاباً بتياترو ألف ليلة وليلة عام 1899، وخُصص له إيراد إحدى ليالي تمثيل مسرحية (عرابي باشا) ([3]). وفي بدايات القرن العشرين اتجه إلى الصحافة، حيث كان صاحب مجلة الصحائف ([4]). وفي يولية عام 1906 ألفّ أول مسرحية له، وهي (صيد الحمام أو حادثة دنشواي)، وقد كتبها - بعد أقل من شهر من وقوع حادثة دنشواي المشهورة – ثم عزم على تمثيلها بمسرح حديقة الأزبكية في شهر أغسطس. ولكن الحكومة منعت تمثيلها، فقام بطبعها وبيعها لعامة الناس ([5]). وفي الذكرى الثانية لمذبحة دنشواي، حاول حسن مرعي إعادة الكَرّة مرة أخرى، حيث عزم على تمثيل مسرحيته (دنشواي) في يولية 1908، فتقدم إلى نظارة الداخلية للحصول على تصريح بتمثيلها، ولكن الداخلية بعد أن أخذت رأي الحكمدارية، رفضت رفضاً باتاً قبول تمثيل هذه المسرحية ([6]).
وفي مارس 1909 نشر حسن مرعي مسرحيته الثانية (الأزهر وقضية حمادة باشا)، وقد ضمّنها حادثة اعتصاب طلاب الأزهر ([7]). وفي الذكرى الثالثة لحادثة دنشواي، احتال حسن مرعي على القانون، فعزم على تمثيل مسرحيته (دنشواي) على مسرح النوفتيه بالتوفيقية، دون التصريح له من قبل الداخلية، فقام بطبع التذاكر وتوزيعها على الناس. ولكن اكتشف أصحاب المسرح هذا الأمر، فأبلغوا قسم الموسكي وتمّ القبض عليه واتهامه بالنصب والاحتيال، وانتهت القضية ببراءته لعدم ثبوت نية النصب والاحتيال لديه ([8]). وأمام هذا الأمر، نشرت جريدة الأخبار في 2/4/1911 خبراً قالت فيه: "أصدرت المحافظة منشوراً إلى الأقسام بمنع تمثيل خمس روايات وهى: رواية إسرائيل والوقائع المدهشة ونابليون والأزهر ودنشواى وشددت على المأمورين بملاحظة ذلك"، وهذا الخبر يُشير إلى أن حسن مرعي حاول أكثر من مرة تمثيل مسرحيتيه دون جدوى، مما دعى المحافظة إلى تعميم مصادرة المسرحيتين، مع المسرحيات الأخرى المذكورة في الخبر.
وتتوقف الأخبار عن حسن مرعي بضع سنين، بعدها يُلاحظ ظهوره مرة أخرى عام 1915، لنكتشف أنه كان نزيلاً في مستشفى المجاذيب، وقد هرب منها بعد أن تنكر في ملابس سيدة!! وبعد هروبه ساعدته فرقة أخوان عكاشة، بإعطائه إيراد ليلة خيرية مثلت فيها مسرحية (جناية الملكة)، وقامت بتعيينه وكيلاً لها في توزيع التذاكر ([9]). ويتنقلحسن مرعي بعد ذلك بين الفرق المسرحية، إذ عمل ممثلاً عند الريحاني تارة، وإدارياً بمسرح برنتانيا ووكيل إدارة مسرح الماجستيك تارة أخرى ([10]). وفي عام 1921 كوّن فرقة مسرحية أطلق عليها اسم (فرقة الكوميدي العصري)، ومثل بها عدة مسرحيات بمدينة بور سعيد ([11]).
وفي عام 1925 كتبت مجلة التياترو المصورة كلمة عن حسن مرعي بوصفه مديراً مسرحياً، فأشادت فيها بكفاءته وحزمه وحُسن تصرفه في الإدارة المسرحية، كما حمدت له صراحته وعدم تزلفه للآخرين، وقدرت عدم خشيته أو رهبته أمام عظائم الأمور ([12]). وهذا في حد ذاته يعني أن الحس الفني لدى حسن مرعي كان متأصلاً في وجدانه، وهذا ما دفع الدراسة إلى أن تجعل منه نموذجاً لتحليل عمله. ومن الجدير بالذكر، إن الكلمة التي نُشرت في مجلة التياترو المصورة، كانت آخر ما توفر لدى البحث من أخبار عنه. بعدها اختفت الأخبار عن ذكر حسن مرعي – على حد علمي – ولعله مات بعد ذلك ([13]).
(ب) - المسرحيات
يتمثل نتاج حسن مرعي طبقاً للمُتاح بين يدي الدراسة من مصادر ومراجع في مسرحيتين، الأولى (حادثة دنشواي) عام 1906، والأخرى (الأزهر وقضية حمادة باشا) عام 1909. وستتناول الدراسة المسرحية الثانية – رغم أن المسرحيتين مشتركتان في عنصري الطباعة والمنع من التمثيل – لأن مسرحية دنشواي مفقودة – حتى الآن – ولا توجد منها نسخة في دار الكتب أو في المركز القومي للمسرح. وهذا يعني أن 50% من نتاج حسن مرعي الفني ليس متوافراً، ومن ثم اعتمدت الدراسة على المسرحية الثانية نموذجاً للتحليل والتطبيق وهي تمثل 50% من نتاجه، وهذه المسرحية تقع في أربعين ورقة من القطع الصغير ستتناولها الدراسة كاملة، مع استكشاف السمات الفنية وعلاقة الحدث الدرامي بالحدث التاريخي .. إلخ أهداف البحث المنطوية عليها الدراسة.
(ج) – الحدث التاريخي
اعتمدت مسرحية (الأزهر وقضية حمادة باشا) على حدث تاريخي، سجله الكاتب فنياً وهذا الحدث عُني به مصدران للكشف عن لثامه؛ الأول العمل الفني، والثاني ما سجلته الصحف في تاريخ القضية إبان وقوعه، لذلك فقد جُعل من تلك الصحف مصدراً مسانداً للعمل، لكون الدراسة تبحث عن سمات المسرح التسجيلي وكيفية توظيف الحدث فنياً بطريقة لا تخل به واقعياً. ولهذا فقد تعقبت الدراسة الصحف التي عُنيت بالموضوع فوقعت على ثلاث صحف، قامت بتسجيل الأحداث التاريخية التي تناولتها المسرحية بطريقتها فنية. وهذه الصحف هي: الجريدة واللواء والمؤيد. ويقوم هذا التحديد على ثلاثة معايير، الأول إنها أكثر الصحف تسجيلاً لهذه الأحداث، والثاني أن بعضها ذُكر في نص المسرحية، والثالث أن مظاهرات طلبة الأزهر توجهت إليها أثناء مسيرتها. وبالرغم من ذلك فسيكون اعتماد الدراسة الأساسي على جريدة الجريدة، لأنها كانت جريدة محايدة في الأحداث، بعكس جريدة اللواء التي وقفت بجانب اعتصاب الطلاب وساندتهم، وبعكس جريدة المؤيد التي وقفت ضد اعتصاب الطلاب وهاجمتهم.