كأني لم أتعلم درسي الأول ، فبعد أن ضبطني أبي أمصُّ سيجارةً أطول مني، ، كنت اختلستها من طرف علبته ، لما تسللتُ للغرفة يغريني شخيره العالي: فجنَّ جنونه إذا رأى سحابة دخاني في ظل السور ، فصفعني على ظهر يدي ، ووخز أصابعي بزهرة سيجارتي الأولى ، فهربت مولولاً باكياً إلى بيت جدي ، بعد أن جمعت ثيابي وألعابي،،.

استقبلني جدي بحنانه المصفّى: فتباكيت على وسادة صدره محشرجاً ، راوياً أفياء قصتي: فمسح دمعي المفتعل بذيل كوفيته ، ووعدني بأخذ حقي وافياً من حضرة أبي حين يراه ، ثم أخرج علبة الهيشي (التبغ البلدي) ، وراح يلفُّ لي سيجارةً برؤوس أصابعه الراعشة ، لفاً كتقميط طفل رضيع،،.

أنت رجل،. قال لي جدي برزانة وجدية ، والرجل عليه أن يدخن، ، ويتحمل ثمن رجولته ، فهززت رأسي ناشقاً أواخر دمعتي ، ومن بعيد تتوسله جدتي أن يتركني وشأني ، فالسيجارة ستقضي عليَّ، ، لكنه يشعلها بوقار ويقدمها لي ، بعد أن يأخذ منها نفساً طويلاً ، تناولتها بزهو وسحبت نفساً عميقاً ، أعمق من قاع محيط،: فجحظت عيناي كحبتي فطر ، وازرق خاتم شفتي ، وحسبتني لن أعود للحياة ثانية بشهيق وزفير،،.

طبَّل جدي على دفة ظهري ، بعدما أخذ السيجارة مني شاتماً الدخان وسنينه ، ومكتشفه وزارعه وقالعه ، وعندما ارتدت إليَّ جذوة حياتي ، سألني بطريقة المعلم الحاذق: هل ستدخن ثانية.. يا أيها الزلمة الصغير؟،، ، وربما كانت هزهزة كتفي لجدي تكفي لتردعني عمراً أو عمرين عن براثن السيجارة ، التي ما أن اخضرَّ شارباي وغلظ صوتي ، حتى جرفتني إليها مرة أخرى ، ضارباً عرض الحائط وعدي لجدي ألا أدخن ثانية،،.

قبل اثنتي عشرة سنة ، قررت أن أخلص من هذه العادة (هي العادة وليست الحاجة،) بعد معاقرة احتلتني عشرة أعوام ، فتوقفت عن التدخين بطريقة (ضربة السيف)، ، أي دون مقدمات والتفافات ، ودون تخطيطْ أو تخفيفْ أولي من علبتين إلى علبة، ، ودون استخدام العلكة والأدوية ، ومعاجين الأسنان ، لكني تركت عادتي بإشعال فتيل إرادتي: وإمعانا بالتحدي أبقيت عنق سيجارة مطلا من علبته على طاولتي أمام نواظري لأيام عديدة ، وكان لي ما أردت، ، وإذا كنت أعتز بشيء فعلته ، فتركي للسيجارة بهذه الطريقة هو ذلك الشيء،.

في هذا النهار يدخل قرار منع التدخين حيز التنفيذ ، يعدما أصبحت هذه الآفة تأكل أطراف مجتمعنا وتنخره كالسوس ، وتجعله كرة ملتهبةً ، بالأمراض والعجز والموت البطيء، ، في هذا اليوم أتمنى أن يتم تنفيذ القرار بشكل جدي ، وأن نتآزر جميعاً لحفظه من الخرق ، وعلى كل واحد منا أن يحافظ على حيزه خالياً من هذه الآفة ، ويدافع عن حقه بهواء نقي. كما أتمنى أن يكون هذا اليوم فيصلاً في حياة كثير من الأخوة والأصدقاء المدخنين ، فالأمر لا يتطلب إلا ضربة سيف تقطع رأس هذه العادة التي تحتلنا.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية