..ومع كل ما منحته لنا الثورة الرقمية من وسعة إطلاع ومعرفة وسرعة فائقة في تنفيذ المهام ، توفيرا للوقت والجهد ، إلا أننا ما زلنا ندعي أننا مخنوقون بقلة الوقت ، وغارقون في بحر الحياة المتلاطم حتى شوشة رؤوسنا ، وأعلى بقليل،.

وكأننا ننسى أن هذا الزمن المتسارع يجعل الواحد منا لا يشعر بإيقاع حياته ، ولا يحس بنغماتها وهمساتها ، ويجعله لا يتمعن في تفاصيلها وحيثياتها وأشيائها الصغيرة ، حتى صرنا نكبر فجأة دون أن ندري ، ويباغتنا الشيب وحدب الظهر. فالسرعة تأخذنا حتى من لحظات كان الأولى بنا أن نستشعر سريان الحياة في أيامنا. ولهذا فأنا مع التمهل والتروي في قراءة الحياة وعيش تفاصيلها،.

وقف بروفيسور عجوز أمام تلاميذه وأمامه عبوة زجاجية فارغة ، أخذ يملؤها بكرات حديدية ، بحجم كرة الطاولة ، ثم سأل: هل هذه الزجاجة التي بين يدي ممتلئة أم فارغة؟، ، فقالوا: طبعاً ممتلئة ، فما كان منه إلا أن أخذ صندوقاً صغيراً من الحصى ، وسكبه في الزجاجة ، وبدأ يرجها حتى تخلل الحصى كل المسامات والفراغات بين الكرات الحديدية وعاود سؤالهم: هل هذه الزجاجة مملؤة أم فارغة؟،.

اتفق التلاميذ أن الزجاجة أصبحت ممتلئة هذه المرة ، فأخرج صندوقا صغيرا من الرمل الناعم ، وسكبه في الزجاجة وأخذ يرجها حتى ملأ الرمل كل المسامات التي بين الكرات الحديدية وحبات الحصى ، ولم يبق هناك فراغ يذكر،، ، فسألهم: هل هي ممتلئة الآن؟، ، فأجابوا بالإيجاب ، فما كان منه إلا أن سكب فنجان قهوة فوق رمل الزجاجة،،.

قال الأستاذ: أريدكم أن تتعلموا من هذه التجربة ، فهي تماماً مثل حياتكم،، ، فالزجاجة مثل حياة كل واحد منكم ، والكرات الحديدية هي تلك الأشياء الضرورية: دينك وقيمك وصحتك وعائلتك ، بحيث لو أنك فقدت كل شيء وبقيت هذه الأشياء ، فستبقى حياتك ممتلئة وثابتة أيضاً ، أما الحصى فتمثل الأشياء المهمة مثل وظيفتك وبيتك وسيارتك ، أما الرمل فهو يمثل بقية الأشياء البسيطة والهامشية والجانبية ، فلو أنك وضعت الرمل أولاً في الزجاجة: فلن يتبقى مكان للحصى أو للكرات ، وهذا يسري على حياتك كلها ، فلو تركت كل وقتك وجهدك لتوافه الأمور ، فلن يبقى لديك متسع للأمور الهامة ، فالمسألة هي ترتيب أولويات فقط،.

أحد التلاميذ وقف متعجباً عما تمثله القهوة التي سكبها ، فابتسم الأستاذ: أنا سعيد لأنك سألت هذا ، فأنا أضفت القهوة فقط: لأوضح لكم بأنه مهما كانت حياتكم ممتلئة ومكتظة ومحتشدة بالأشياء وأنصاف الأشياء وأرباعها ، فسيبقى هناك دائما متسع من الوقت لارتشاف فنجان قهوة مع من تحبون.

طاب يومكم.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم البحتة