في عيد الأم الآذاري ، تفيض المشاعر لتصل أعلى درجاتها ، فتنهال الهدايا والقبلات والورود على رؤوس الأمهات ، ولو أصخنا السمع قليلاً: لسمعنا تنهيدة خجولة من آباء يتابعون المشهد بدمعة عالقة في زاوية العين ، آباء يقولون مازجين جدهم مزاحاً: أما الأب: فله الرب،.

بل قالها أحدهم ذات عيد أم قريب: مساكين نحن الآباء ، لا أحد يصنع لنا عيداً ، أو يتذكرنا بوردة ، أو يخصنا بهدية حتى لو كانت قلماً رخيصاً. لا أحد يكتب مقالة من أجلنا يقرأوها بعض التلاميذ في إذاعاتهم المدرسية ، ولا مطرب يغني لنا. نحن نريد اهتماماً نلمسه ، ليس على مساواة بين الأبوين ، بل على سبيل المرابعة: ربع لنا ، والباقي للأمهات،.

اليوم يصدف عيد الاب ، الذي تحتفل به بعض الدول ، ولكن الشركات لم تستغله حتى هذا الوقت ، ولم تروج له تجارياً: لتجني أرباحاً ، كما تفعل في عيد الأم ، وما كنت سأكتب في هذا ، ليس لأني أصبحت أباً يخجل أن يذكر أبناءه بعيده ، بل لأني سأحتاج لكل رهافة الغيم ، لأتذكر خشونة يد أبي الحريرية ، إذا تتعلق بها أصابعي كأورجوحة عيد ، وهذا ليس متاحاً حتى لشاعر عريق،.

ولا بأس أن أستعيدك يا أبتي ، تحملني على كتفيك ، وتمشي بي ، وكل حين تسألني: هل تعبت؟، ، لكني سأهز رأسي نافياً بخبث ، فكيف سيتعب الراكب ، فأنا لن أتعب. وكبرنا وحنت من بعض قامتك الأيام يا أبتي ، ولكنك لم تتعب ، وهذا دأب كل عظيم،.

بل سأستعيدك يوم جئتك حاملاً فسيلة توت ، أرضتني بها الخياطة ، بعد أن صفعت يدي جزاء لكسري ورودها ، التي لعبت بينها مع فراشة عابرة ، فأخذت الفسيلة مني ، وحفرت شقاً صغيراً في الصخرة ، عند عتبة دارنا وزرعتها. وكبرنا معاً ، وتتطاولت فينا الأحلامنا الحريرية ، رغم أنف الجدران،.

ولن أنسى سفري للدراسة في بغداد ، عناداً من عند نفسي ، والحرب كانت تتحمحم في أفواه المدافع آنذاك ، وكيف أردتني صلباً جامداً رجلاً ، وكيف أنني في لحظة الوداع بحثت في عينيك عن بعض دمعة ، فما وجدتها ، وقلت في نفسي ، والدمع يغالبني: يالا قسوتك يا أبتي ، ولتخبرني أمي بعد سنين ، أنها للمرة الأولى في حياتها ، تشاهد غزارة عين أبيك،.

فلأجلك اليوم ، أيها الأب الجد ، ولأجل الأبوة في الأرض ، لأجل من انحنت قاماتهم ، تحت ثقلنا وثقل مطالبنا ، لأجل تعبهم النبيل ، سلام عليك ، وسلام عليهم. سلام على عنائك وصبرك ، وتعبك ، وسلام على التراب الذي سففته: لننعم بلين العيش وكرامة الحياة: سلام على آبائنا الطيبين،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور