حين تضربني موجة إحباط ، أتمنى لو لم أدخل معترك الكتابة ، ووجعة الرأس وحرق الدم ، وأقول ربما كان علي أن ألج عالم الطبخ والمطابخ ، من أوسع أبوابها، ، فهذا العالم يطعم سمناً وعسلاً ، ويكفيك أن تقلب أزرار الريموت: لتحصي عشرات الفضائيات المتخصصة في الطبخ والطبيخ والنفخ والنفيخ.

فالطبخ في عالمنا صار مدرارا للثراء ، وليس كحرفة الكتابة والثقافة ، التي لا تطعم خبزاً ، ولا بصلاً، ، فكل كتاب الوطن العربي ، من مائه إلى مائه ، لا يبيعون كتباً بالحجم الذي يبيعه الشيف رمزي ، من كتابه الشهير (في فن الطبخ). اللهم لا حسد،.

في طفولتي كنت طاهياً مميزاً ومبدعاً ، فكنا نصنع عصائد الطين ، ونشوي الجنادب والسحالي ، في علب السردين الفارغة ، ثم نقدمها مائدة لضيوفنا الوهميين ، الذين يعودون إلى خيالاتنا بلا أصابع وبلا أياد: من فرط شهيتهم بالتهام طعامنا اللذيذ،.

وأنا معكم تماماً ، فهناك ايمان على هذه الأرض ، لا يوجد به ملحدون على الإطلاق ، يعتنقه الجميع ، ولا يكفره أحد: هو فن الطبخ الجيد ، فرهافة الشعوب ورقيها ، صارت تقاس بجودة وبفن طعامها: فالطعام كالموسيقى ، والعمارة ، والرسم ، كلها تؤشر إلى رقي الأمم وتقدمها وعظمتها،.

لكن بعيداً عن تسويق الأدب وتسويق الطعام ، هناك نظرة فلسفية عليا ما زالت تعد الجوع أمهر طهاة الطعام على الإطلاق، ، لأن هذا الجوع يقبل ويتقبل كل ما تلقيه إليه ، حتى لو كان خبزاً منقوعاً بماء ، ودعاة هذه النظرة ربما كانوا نسّاكاً ، فانقرضوا مثلما أنقرضت الديناصورات ، لأنهم رأوا أن الجوع سبب جمال الإنسان وظرافته وخفته: هل تتفقون مع هذا؟،.

يقول جلال الدين الرومي ، شاعر الصوفية الأكبر ، صاحب كتاب المثنوي الشهير: إن الخبز واللحم طين ، فأقلل من أكلهما ، حتى لا تبقى عالقاً بالأرض ، مثل الطين. فيا ترى ، في زمن الطين هذا الذي نحياه ، كيف لنا ألا نلتصق بالأرض ، ونتشبث بها ، ونحن نلتهم كل هذا الطين المطين؟،.

أنا مع الطعام اللذيذ ومع التمتع بنعم الله ، لكن من يدقق النظر ، يعرف أننا في هذه الأيام مصابون (بالبوليميا) ، أي الإسراف الشديد بالأكل والنهم ، فجل دعاياتنا التلفزيونية للطعام والشراب ، وكل الفضائيات ، تتسابق لتقديم برامج الطهي والطبخ: كيف نطبخ؟، ، كيف تشوي؟، ، كيف تهرس؟ ، وكيف؟ ، وكيف؟، ، فالكل يريد أن يعلمنا الطبخ وضروبه وأشكاله وميزاته ، ولكنهم أبداً لا يعلموننا كيف نأكل ، وماذا نأكل ، ومتى نأكل؟،،.

وضمن ذات سياق الحيرة ، والاضطراب ، والتخبط ، الذي نعيشه في عالم اليوم سيبقى السؤال واخزاً: هل نأكل لنحيا ، أم نحيا لنأكل؟،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور