في مثل اللهيب الذي لفحنا وسط الأسبوع ، لا يحق لأحد أن يتضجر من الشتاء الجميل ، أو يمقت طوله وبرودته وقسوته ورعوده وبرقه اللامع ككاميرات التصوير ، ففي مقلى الأيام الأخيرة تمنيت لو ننعم بزخة ثلج طارئة ، أو مهربة أو داخلة بطريقة التسلل إلى مرمى أجوائنا ، أريد موجة بندف ثلج كآذان القطط تطفئ جمرنا.

فذات طفولة كنت أتحسر على كل الثلج الذي يثقل جذوع الشجر ، ويحني قاماته ، ويلف خاصرة الجبل ، ويغطي سطح بيتنا حتى ترقوة الخزان ، كنت أتمنى لو يصمد هذا الثلج على بياضه وبرودته حتى أوج الصيف: علني أصنع منه أكبر حبة بوظة في العالم: صيف يا صيف،.

ريتشارد (قلب الأسد) الملك الشهير آبان الحروب الصليبية انهزم يجر أذيال الخيبة أمام سيف صلاح الدين. ولكنه لم يعد نفسه خاسراً بامتياز، ، فقد عاد إلى بلاده بوصفه لذيذة لحلوى البرتقال المثلوجة ، أهداها صلاح الدين الأيوبي كي يبرد خسارته ، (خلق عظيم من صلاح الدين). انظروا كيف تقزمت أحلام قلب الأسد من احتلال بلاد إلى العودة بحبة بوظة: هل البوظة تستحق؟،.

في الأيام الماضية كنت كلما سمعت سيارة غاز تمخر شارع بيتنا بموسيقاها: أتذكر باص البوظة الجميل ، الذي كان يجوب حارات بلدتنا وشوارعها محملاً بالآيس كريم ، والإيما ، والدورادو ، والأسكيمو ، هذا الباص الذي كان يعلن عن حضوره البارد اللذيذ بموسيقى تشابه موسيقى الغاز. ربما الآن قد شاخ الصيف في عروقنا ، ولم يعد باص البوظة يمر إلا في طيوف خيالنا: فكم أحتاج إلى طفولة طازجة تبقى فينا حتى ، لو إجتاحنا الشيب.

في أيام القيظ كنت أهرب أحياناً برفقة بعض الاصدقاء إلى (رأس منيف) ، ذلك الجبل الأعلى في جبال عجلون ، علنا نتلمس بعض البرودة ، وعلنا نتلمس ظلال الثلج حين يلوح لنا جبل الشيخ المحتل المعمم بالثلج (ولذلك سمي بجبل الشيخ: لأن له لحية بيضاء): من هناك كنت أشعر بحبة بوظة كبيرة تتماثل أمامي:هممممم.

هذه المرة ، لا أريد ثلجاً يلوح كطيف خاطر ، يظل بعيدا بعيداً ، بل أريدني أن أهرب إلى بحر واسع ، أتبلبط فيه كسمكة هربت للتو من قبضة صياد ، أريده بحراً تتموسق أمواجه تحت أقدام الغابة ، أريده بحراً هادئا أشهد فيه إنطفاءة جمرة الشمس عند المغيب. ثم لتسامرني وشوشاته حتى الصباح. ياااااااه كم أشتقاق إلى الماء،،،. دمتم بمحبة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور