كثيراً ما يدهشني السؤال: هل يبقى الشعر صالحاً للاستهلاك الذائقي والسماعي ، رغم تقادمه الزمني والعمري ، وبعد أفول نجم أصحابه؟ أي: هل يبقي بيت الشعر المفعم بالعنفوان العربي القديم قابلاً للإنشاد وسط هذا الخرس المطبق علينا من جهاتنا الخمس: (إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعّ ـ تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا)؟ أم إن الصدر سيبقى لنا دون العالمين ، والقبر هو الحليف الاستراتيجي ، الذي يهيمن على مصير أمتنا العربية ذات النيشان القديم: (لنا الصدر دون العالمين أو القبر)؟
في مروياتنا الشعبية أن ثرياً كان كسولاً أكولاً ، وفي ليلة فقد ماله وجاهه وسلطانه ، وأصبح على البلاطة ، فضاعت هيبته بين الناس ، لكنه ، بدلاً أن يشمر عن ساعديه ليأكل لقمته ويتأقلم مع وضعه الجديد ، راح يتسول ويشحد. غير أنه شحاد لا ككل الشحادين: شحاد يسأل الناس متعالياً: (حسنة ، وأنا سيدك،) ، أو (حسنة وأنا تاج رأسك،)
مشكلتنا العروبية أننا لم نعترف بوضعنا الجديد ، فدائماً كنا نتحدث عن هزائمنا المريرة ، كأنها انتصارات باهرة ، ودائماً كنا نحتفل بسقوطنا المريع ، كأنه السمو النجمي العالي. مصيبة العرب أنهم ظلوا أسرى بيت الشعر الذي يحتم على العالمين أن يخروا ساجدين لأطفالهم الرضع ، إذا ما وصلوا حد الفطام.
ما آل إليه ذلك الثري ، الذي فقر ولم يعترف بذلك ، فكانت النتيجة الحتمية أنه مات جوعاً وبرداً بأفواه الطرقات ، من دون أن يثير شفقة أحد عليه. وهنا سنسأل سؤالاً موازياً: هل أمتنا العربية تمشي بالطريق ذاته؟ لماذا ، إذن ، آلت أمورنا إلى هذا الحضيض؟ ولماذا لم ننهض ككل الشعوب التي واجهت هزائم أكبر من الهزائم؟ لم تقدمت اليابان وألمانيا ، رغم خسارتهما المطلقة في الحرب العالمية الثانية؟
لقد واجهنا معارك عديدة وخسرناها ، لكننا لم ندخل بعد أهم معركة على الإطلاق ، معركة لا تتطلب سيوفاً أو رماحاً أو دبابات ، معركة فكرية ثورية نشنها على عقليتنا النادرة ، الجنائزية اللطمية الكربلائية ، التي تعيش ، دائماً وأبداً ، في الماضي ، ولا تريد أن ترى موقع أقدامها الجديد ، عقلية تبريرية تلفيقية ، دوماً تبحث عن مشجب تعلق عليه سقطاتها وهفواتها ، معركة نخوضها بقضنا وقضيضنا ضد أنفسنا وذواتنا وذهنيتنا ، وهل هناك معركة أكبر من مجاهدة النفس والذات؟ إنها أم المعارك التي عليها سيتحدد مستقبلنا.
ربما آن لنا أن نتنادى للجهاد ضد النفس ، ونشرع في حرب بلا أعداء: حرب نكون فيها الخصوم والمحاربين: حرب ضد العقل الذي تراكض بنا ميمنة وميسرة جرياً وراء سرابات لا تنتهي ولا تكف تغرينا بمزيد من الهزائم ، حتى صرنا في عيون العالم كالممسوسين الذين خالط السحر عقولهم.
ربما علينا أن نعيد النظر: هل ما زال السيف أصدق أنباء من الكتب؟ أم إن علينا أن نبدأ من الكتاب ، لننتهي بالسيف أقوياء بحق. إذن ، علينا أن نعيد قراءة هذا البيت من الشعر ، فنقول إن الكتب ، في زمننا ، ربما تكون لنا ، أصدق قيلاً ومقالاً من السيوف ، التي ما عادت بأيادينا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور