بعيداً عن صخب بوق الفوفوزيلا البلاستيكي الطويل الذي زركش واستفز مونديال جنوب أفريقيا: والذي قد يتحجج به الكبار لتبرير خروجهم المخزي من مربع المنافسة ، بعيداً عن هذا الضجيج سيبقى نبات الخيزران مصدراً استراتيجياً لصنع (الشينوبوية) ، التي تشبه الناي ، بصوتها الحنيني ، الذي يزرع الشجن في النفوس ، فيهذبها ويسمو بها.
ومع كل رقة الشينوبوية إلا أن هذا لا يمنع أن تتخذ العًصي الموجعة اللبلابة من الخيزران الرطب أيضاً ، والتي تبقي الألم مرسوما في صفحات الجسد طويلاً ، ولهذا لن نلوم الفنانة سميرة توفيق وتوسلها الجميل في الأغنية الشعبية:(لا تضربني لا تضرب كسرت الخيزرانة ، صرلي سنة وست أشهر من ضربتك وجعانة).
الخيزران أو البامبو نبات عشبي وثيق الصلة بالقمح والشعير ، لكنه عملاق يصل ارتفاعه إلى ثلاثين متراً ، سريع النمو يطول في اليوم بمعدل ثلاثة أقدام(90سم) ، وله قدرة كبيرة على تنقية الهواء بإنتاج كميات وفيرة من الأكسجين ، وهو أشد قوة من الفولاذ ، ولهذا فلا عجب أن تتوجع الرقيقة سميرة توفيق من ضرباته.
وفي هذه الضلال ، سيبقى أناس يتعلمون بالخيزرانة ، وآخرون يتعلمون من الخيزرانة ، ولكن الذين يتعلمون بها كثيراً ما تتمسح جلودهم (من التمساح غليظ الجلد) ، وتعتاد على وقع الأوجاع. أما من يتعلمون منها: فيسمون عالياً كسمو النفس بشجن الناي أو بحة الشبابة أو حنين الشينوبوية.
واللافت في الخيزران ، أن هذه النبتة وبعد زراعة بذورها ، تظل لنحو أربع سنوات لا ينمو منها فوق الأرض إلا برعم صغير ، يثير في النفس بواعث الإحباط من فشل عملية الزراعة ، فالحقيقة الكبرى تكمن في أن هذه النبتة تكون منشغلة بضرب جذورها الليفية المتينة نحو الأعماق ، ولكنها في السنة الخامسة ، تنمو بشكل سريع ليصل ارتفاعها الثلاثين متراً أو أزيد.
ولذلك فالفلاح الذي يزرع الخيزران ، عليه أن يتحلى بالصبر وطول الأمل ، تماماً كما نربي أولادنا لسنوات طويلة قبل أن نرى ثمارهم ، ولهذا كثيراً ما نخسر الأشياء عندما نتعجل إثمارها ، فنحن دوما نريد الأمور (شندي بندي) ، فالكل فينا يريد أن يصبح زبيباً ، قبل أن يتحصرم (الحصرم هو العنب قبل نضجه) ، والكل يريد أن يعلو شاهق العلو دون جذور مضربة في أصل الأرض.
ربما كنا متعجلين في بعض أشيائنا ، سلقها سلقاً أو حمصها تحميصاً خارجياً ، ولهذا تخبطنا وتلعثمنا في مشاريعنا ولم تختم بمسك ، فنحن لم نعط الأمور نصابها القانوني في التمرحل الطبيعي ، ربما تعلمنا بالخيزرانة ووجعها ، لكننا أبداً لم نتعلم منها ومن صبرها وأناتها ، والشواهد كثيرة في مشاريعنا التنموية ، وهذا دليل على نظرة السطحية سندفع ثمنها. ولا تضربني لا تضرب،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور