ذات الدموع الغزيرة (الصادقة) التي رأيتها تنهمر ماسحة علم إيطاليا المرسوم على وجه صبية صاخبة ، في مقهى صاخب ، بدايات المونديال ، عادت لتمسح من جديد عن الوجه ذاته علم هولندا ، في ختام عرسنا العالمي الكبير. فيبدو أن هذا الفتاة سيئة حظ من طراز رفيع جداً ، وإلا ما كانت كل رهاناتها المتعاقبة على أحصنة خاسرة،.

ما يهمنا أن دموعها الغالية على قلوبنا ووجداننا وضمائرنا ، ستجعلنا نسأل باستهجان واستنكار وسخرية مرة: هل كل الشباب الذين ملأوا ليل عمان ، وليل المدن العربية كذلك ، حد ساعات الفجر بصخبهم وهرجهم وسياراتهم الزامرة الهامرة ، وأعلامهم المهفهفة فوق ظهورهم كعباءات عز ، وبشتائمهم العابرة للحارات وتخوم الحياء. هل كانوا كلهم مع إسبانيا منذ الدور الأول؟،.

وفي ذات المشهد ، ظل العلم يتبدل على شرفة بيت قرب من بيتنا ، مرة علم ايطاليا ، حتى أطيح بها ، ثم علم البرازيل ، ثم ألمانيا ، وقبل المباراة النهائية بساعات لمحت علما هولندياً يناطح مثل طاحونة هواء ذات الشرفة ، وفي الصباح كان العلم الإسباني يرفرف فوق ذات السارية ، في ذات الشرفة،.

المسألة ليست فريقاً يهزم ، أو فريقاً يخرج من الدور الأول أو الثاني ، بل يبدو أن عقدة البحث عن بطل نتعلق به ، بطل نتبعه ونمجده وننضوي في ظله ، هذه العقدة هي التي بدأت تسيطر على مشهدنا الاجتماعي والسياسي والرياضي. والأمر بحاجة إلى دراسة سيسيولوجية ، تميط اللثام عن هذا العرض ، أو المرض. فأين مشجعو البرازيل والأرجنتين وهولندا ، ولماذا انقلب الكثيرون إلى إسبان بعد الفوز؟،.

لا أريد أن أدخل في دوائر الولاءات الثابتة والمتحولة والمنقلبة على عقبها ، ولكني أريد أن أترحم على تلك السيدة الطعنة في السن ، والتي ذهبت ضحية رصاصة مشاجرة ، وقعت عندما كان الشباب (يفحطون ويخمسون) بسياراتهم هائجين ابتهاجا بفوز الماتادور (قاتل الثيران) الإسباني. سأترحم عليها ، وأترحم على أحوالنا ، من بعدها،،.

ولماذا صارت أدنى مشاجرة تنتهي إلى استخدام السلاح ، والقتل ، حتى بات الواحد فينا يخشى أن يرمي السلام على سائق نزق يمخر الشارع متجاوزا كل شيء. لماذا هذا الفراغ الصاخب في حياة شبابنا؟، ، أم أن الصندوق الممتلئ والمعبأ بالحجارة والرمال والأوساخ وسفاسف الأمور ، لا يبقى فيه مجال يتسع لبعض الجواهر أو الدرر.


المراجع

ammonnews.net

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية