عاصرتُ ، قبل عقد ونصف من الزمن ، حالة إلغاء مهرجان ثقافي محلي في إحدى محافظاتنا: لأن واحداً قال له شريكه العماني إن منتداياتكم ليست إلا دكاكين ، وجئنا ننشلكم من هذه البطالة المستديمة ، ولأن أبناء القرى يعرفون ، تماماً ، وقع هذا الوصف الراكد: فهم يعايشون حال دكاكين القرية وفضائها ، حينما يتكدس على عتباتها العاطلون ، إلا من كش الذباب ، وفتل حبال النميمة. ولهذا ثارت حميتهم ، وفضلوا أن يدفنوا مهرجانهم ، قبل تشكل بؤرته ، على أن يهضموا ذلك الوصف المؤلم ، من وجهة نظرهم.
ومع هذا ، قد تمر حادثة إطلاق وصف الدكاكين الثقافية ، من دون أن تحدث ضجيجاً ، ومن دون تفكير بوأد مشروع أو تفتيت فعالية ، أو طمس مهرجان. ففي الندوة التي أقامتها الدائرة الثقافية في الجامعة الأردنية ، قبل أقل من أسبوعين ، تحت عنوان "تجربة المدن الثقافية وسؤال التنمية" ، قال وزير الثقافة: إن المشاريع في المدن الثقافية أصبحت دكاكين ، بسبب المحسوبيات والواسطات.
سأترك أسئلتكم الواخزة تلاحق هذا التصريح الواضح الفصيح ، من دون أن أنتظر ردة فعل من أحد ، ليس لأن هذا الـ"أحد" قد يكون مستفيداً ومتلائماً مع الوضع (الدكاني) لهذه المشاريع ، وليس لأن كلام الوزير ، على ما يبدو ، جاء دقيقاً وملامساً شغاف الحقيقة فحسب ، بل قد يكون أن مفهوم الدكان ، وإيحاءاته وظلاله ، بات يختلف عما كان في زمان مضى ، ولهذا سيهضم التصريح ، كهضم الماء ، وسيستمر عرس المدن الثقافية ، رغم هذه القنبلة الخطرة.
لا أريد أن أكرر ما قيل في الندوة ، من بحث لمشكلة المدن الثقافية ، لكن (دكننة) هذه المشاريع ، وختمها بهذا الوصف ، سيضع التجربة برمتها على محك التمحيص وإعادة النظر ، فهو تصريح لا يجيء من جهة تراقب ، بل يصدر عن بيت الثقافة ، الذي يشرف وينظم فعاليات المدن الثقافية ويدعمها ويقيمها.
وقبل أن أجزل الثناء على جرأة الوزير ذاته ، حين أدان سلبية القطاع الأهلي والخاص ، في دعم تجربة المدن الثقافية ، سأسأل عن الأثر الذي تتركه هذه المشاريع في حياة المدن: فما الأثر الذي بقي بعد تجربة مدينة إربد ، قبل أربع سنوات ، والسلط والكرك؟ وماذا نتوقع أن يترك هذا المشروع من أثر في مدينة الزرقاء ، بعد أن ينفض السامر ، أم إن المهم ، هنا ، أن نفتح عداداً من ثلاثة خانات ، يحسب ويعد الفعاليات الثقافية ، التي أقيمت ، حتى لو كان عدد الجمهور صفراً ، (وهناك فعاليات أقيمت بجمهور صفر) ، وأدرجت في تسلسل هذا العداد العظيم؟.
في النص الأدبي يُسأل عن الأثر المتروك: ما هو الأثر الذي يتولد في نفس القارئ بعد فراغه من هذه القصة أو القصيدة أو المقالة أو الخاطرة أو الرواية؟ وهذا السؤال سنحيله مباشرة إلى مشروع المدن الثقافية ، ونحن في منتصف تجربته: ما هو الأثر المتروك في بنية مجتمع المدينة وسكانها ، بعد إطفاء الشعلة في الحفل الختامي؟.
هذا المشروع الريادي ، يقصد منه تطبيع المجتمع مع الفعل الثقافي ، وجعله فعلاً طبيعياً وعادياً يمارس بكل تلقائية ، كما هي الحال في المجتمعات المتقدمة ، التي تعني بإنسانها. لكننا ـ كدأبنا ، في جل مشاريعنا ـ نجنح نحو الاحتفالية الآنية الاستعراضية ، التي تنتهي بانتهاء لمّ الكراسي وإطفاء الأنوار.
بمعنى: أن الفعل الثقافي لم ينزل للشارع بمعناه الواسع والشامل ، المراعي والمتلمس لحاجاتهم وتطلعاتهم. وهذا ما يجعلنا نستعجن أن يتم تكريس فكرة أن هذا الفعل الثقافي ، أو النشاط المسرحي أو فعاليات القراءات الشعرية والقصصية ، هي الهدف ، بحد ذاتها ، وهي الغاية والمنتهى ، ورأس البيدر. فتلك الأفعال ، والفعاليات ، ليست سوى وسائل وطرائق ودروب لتحقيق الهدف الأسمى ، المتمثل في تنمية المجتمع تنمية سوية راشدة مخططاً لها ، ليغير من مفاهيمه ونظرته ، ثم ليغير من قيمه ، وبعدها يتغير سلوك أفراده ، إيجابياً ، تجاه الحياة. فغايتنا ، في نهاية المطاف ، هي إحداث تغيير في حياة الناس ، نحو الأفضل ، بكل تأكيد.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية