مع أنهم ألصقوا بنا لقب العفاريت ، إلا أننا كنا أولاداً طيبين بسيطين ، ليني الرؤوس ، نقبل على الحياة وعصافير أرواحنا مربوطة بخيوط اللعب. فنقطع نهارات الصيف في المرح. نهب للبساتين ، نبني في الوادي بركة ماء نتبلبط فيها كسمك مفزوع ، ونؤوب للبيوت مع وقت مبيت الدجاج ، قبل خنوس الشفق ، نمد فراشنا تحت لحاف السماء ، نعابث النجوم ، نعدها وندغدغها من تحت إبطها ، رغم تخويف الجدات أن هذا يورث أيادينا ثآليل بكل نجمة نعدها.

أطفالنا في هذه الأيام باتوا (مربربين) ، مكتنزين بالهبر والشحوم ، ولهذا أحاول أن أتذكر ، زماننا الليس ببعيد. هل كان بيننا ولد سمين؟، ، هل كان أحدنا يجرجر كرشه ولهاثه ويثقله ظله مثل هذه المشاهدات التي صارت عادية في حياتنا؟، ، أسترجع كل الصور ، وأستذكر العفاريت واحدا واحداً.

كنا منزوعي الدسم ، لكننا أقوياء ، صبورين ، بشهادة الآباء والأجداد ، الذين كانوا يحرثون علينا بالطلبات والأوامر النزقة ، كنقل الحجارة لبناء سور حجري ، أو تمهيد الأرض ، أو إسترجاع حمار حرون قطع حبله وطار.

كنا بأجساد نحيلة ، كأعواد الخيزران ، نركب أجنحة الريح: نسبق أصواتنا وأصدائها ، ونطارد فراشات بسبعة ألوان ، أو نصطاد صرصاراً طناناً ، قرر أن يعتصم على رأس شجرة سرو شاهقة كمئذنة الجامع.

كنّا مشدودين كالنوابض نمتطي العصي الطويلة (الشواريط) ، التي ترفع بها أمهاتنا حبال الغسيل المثقلة ، ونخذها أحصنةً ونقاتل أشرار الأرض ، بسيوف من قصب ، وأناشيد من لهب. لكننا كنا لا نأكل إلا على جوع ، إي عندما تشقشق عصافير البطن وتصوصو: فنهرع إلى البيوت ، نشقُّ خبزةً كراحة اليد ونُخضًّبها بالزيت ، ونرشُّ فوقه السكر ، فتصنع فينا قنبلة نووية: لنطير من جديد نحو لعبنا الجميل.

كلما رأيت طفلاً مفرط السمنة مربرباً كفيل صغير ، أشفق عليه ، وألوم أهله ، وأستنكر ثقافتنا المخدرة ، وكلما رأيت شطيرة أكبر من رؤوسهم ، يتصارعون معها في مطعم للوجبات السريعة. أقول ماذا فعلنا بأولادنا؟، ، كيف سمحنا لهم أن يكنزوا هذا الشحوم وبذور الأمراض؟، ، كيف تركناهم نهبا لقلة اللعب والتسمر أمام شاشات التلفاز ببلاهة لكل هذا الوقت. كيف تركناهم ينتفخون لتستعصي عليهم بضع درجات صعودا دون أن يدلقوا ألسنتهم لهاثاً.

تداعت علي هذه الذكرايات والمشاهدات ، بعد إطلاعي على دراسة تشير إلى أن نسبته 25 بالمائة من طلبة مدارسنا مصابون بالسمنة المفرطة ، وهذا من شأنه أن يزيد نسب الإصابة بالسكري وأمراض الغدد المزمنة والفشل الكلوي والعيون. اللهم احفظهم.

فهل نعيد الشأن للعب في حياة أطفالنا؟؟؟.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية