أحياناً كنت أتصل بصديقي ، ليس بالصفير المعتاد في طفولة زمان ، وليس قرعاً على عمود الكهرباء الرنان قبالة بيتهم، ، ولا بحجر صغير أقذفه على صفيح بوابتهم ، بل كان يجري بيننا هاتف بدائي ، من اختراعنا الطفولي: علبتان معدنيتان صغيرتان ، نثقبهما بمسمار ، ونربط بينهما بخيط قوي ، نشده فيجري فيه الصوت مفرحاً. كم كان مدهشا ذلك الكلام الرقرق ، الذي يحمله إلينا ذلك الخيط المشدود،.

فيما مضى ، كما يقال ، كان الأردني يفخر بأن (ردنية) ترقص على خصره ، بل إن الأغاني الشعبية كانت تشدو لهذا الهمام المقدام ، والردنية هي سلاح بسيط شبيه بالمسدس البدائي ، وكان يحشى يدوياً بالذخيرة والبارود. وأما الأكثر شجاعة فلا بد أن تتراقص على خصره (ردنيتان) ، فليس من لقب أجل ولا وصف أرفع من أن يقال بأنك (أبو ردنيتين)،.

الأمر صار مختلفاً الآن ، فالشجاع على خصره هاتفان أو أكثر ، الفقير والغني والمتوسط كذلك ، الولد والبنت الرجل وربة البيت ، إنه إختراع عظيم ساوى بين الأردنيين فكلنا أصحاب (رداني) ، فليس أسهل من أن يتراقص على خصرك ، أو في كفك هاتفان جوالان أو أكثر أيضاً ، وإلا كيف فاق عدد الهواتف الجوالة عدد سكاننا؟،.

بعد كل مكالمة ، أحمد الله الذي أكرمنا بهذه النعمة العظيمة ، التي كانت في خيال الإنسان قبل بضعة عقود أو اقل ، ومع هذا لا أحب أن أبقى دائماً داخل دائرة الطلب ، أي أن أكون متاحا في متناول اليد في كل حين، ، لأني أتوق أن أحظى بوقتي الخاص ، الذي لا يخدشه رنين ، أو إشارة (مسج) ، ولهذا أتمنى لو يبقى هاتفي على قيد الإغلاق المؤقت لفترة أطول،،.

كان الأردنيون يتداولون اصطلاحاً طريفاً يعبر عن خط الفقر ، أو مستوى الطفر ، وقلة الزفر ، فيقولون: فلان ع الحديدة، ، أو أنا ع الجنط، ، أو علان يطحن على الديك، ، أما اليوم فقد حلَّ مصطلح جديد بيننا: صدقني ما معي آكل ، أو زين شعري عند حلاق ، ولكني بقدر أحكي (شوال أو شوالين حكي ببلاش)،. لا أريد الخوض في متاهة الأرقام المفزعة من حجم الإنفاق الوطني ، على هذه التكنولوجيا ، التي تكون أجمل وأنفع ، إذا أخذت بطريقة معقلنة ، لكني سأسأل ، لماذا لم تسقط دول متقدمة كثيرة أغنى منا ، في مثل هذه المتاهات المفرطة في العبثية والبطر؟،.

الكلُّ لديه هاتف أو أكثر ، من طفل الروضة حتى ربة المنزل، ، بل تحولنا إلى أرقام وغدونا أصحاب (صلة رحم) صوتية ، لا نتزاور في الغالب ، لكن خيط الصوت يبقى بيننا مشدوهاً ، أو مشدوداً،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية